• mostafa

الفئران وفشل القلب

تم التحديث: سبتمبر 8


تجربة فئران تماثل أحد أكثر أشكال فشل القلب انتشارًا والآليات التي تقف وراء هذا المرض.


فشل القلب حالة مميتة تصيب ما لا يقل عن 26 مليون شخص في جميع أنحاء العالم. ولا يوجد حتى الآن نموذج قبل إكلينيكي يلخّص بصدق أكثر أنواع هذه المتلازمة شيوعًا، وهو النوع الذي يُعرف باسم «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف. ، يشير سكياتاريلا وآخرون إلى تطوير نموذج فئران لمرض «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف» ، وكيفية استخدامه في تحديد مسار جزيئي لم يكن من المعروف سابقًا أن له دورًا في هذا المرض.


عُرّف فشل القلب عمومًا بأنه عدم قدرة القلب على ضخ كمية كافية من الدم لتلبية احتياجات الجسم الأيضية. ويُقاس ضعف عضلة القلب كمِّيًا عن طريق قياس الانخفاض في النسبة المئوية للدم الذي يضخه القلب مع كل دقة قلب، وهو ما يسمى «الجزء المقذوف» . يُشار إلى هذه المتلازمة باسم «فشل القلب مع انخفاض الجزء المقذوف» . ولكن في أكثر من نصف حالات فشل القلب، يظل الجزء المقذوف طبيعيًا، على الرغم من إمكانية اكتشاف شذوذات في انقباض عضلة القلب من خلال اختبارات أكثر حساسية. ويُعرف هذا النوع من فشل القلب باسم «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف» ، ويعرّف بأنه ضعف امتلاء القلب بالدم. ومن المحتمل أن يسهم اختلال وظائف أعضاء أخرى، منها الرئتان والكلى والعضلات الهيكلية، في ظهور أعراض المرض.


وعلى الرغم من أن هذين النوعين من فشل القلب لهما أعراض متشابهة، ومن بينها ضيق التنفس، وانخفاض القدرة على ممارسة التمارين الرياضية، والتعب، فإن آلياتهما تختلف إلى حد كبير. فيتسم «فشل القلب مع انخفاض الجزء المقذوف» بالتنشيط المستمر للمسارات الجزيئية المرتبطة بالإجهاد في خلايا عضلة القلب ، مما يؤدي إلى انخفاض قدرة هذه الخلايا على الانقباض، أو إلى موت الخلايا. وعلى النقيض من ذلك، فإن «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف» يكون ناتجًا عن الشيخوخة، وارتفاع ضغط الدم، والتغيرات الأيضية المرتبطة بالسمنة، ومرض السكري، والالتهاب المزمن العام. وهذه العوامل تحفّز التغيرات في عدة أنواع من الخلايا في القلب.


وفي «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف» تصاب الخلايا البطانية التي تبطن الأوعية الدموية الصغيرة في القلب بالخلل الوظيفي، وتفشل في تخليق كميات كافية من أكسيد النيتريك ، وهي مادة تشارك في ارتخاء الأوعية الدموية. وتُحدث خلايا النسيج الضام التي يطلق عليها اسم الأرومات الليفية ندوبًا. وتصبح خلايا عضلة القلب نفسها أكثر تيبسًا بسبب تغيرات مرتبطة بالبروتينات المشاركة في مسارات الإشارات الجزيئية والتقلص الخلوي. وتكون النتيجة النهائية هي بطء امتلاء القلب.


ولا يفيد أي من العلاجات الحالية المستخدمة لعلاج «فشل القلب مع انخفاض الجزء المقذوف» في علاج «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف»، ولم يكن ثمة نموذج حيواني جيد للنوع الأخير. وتُعد نمذجة «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف» عملية صعبة بسبب التفاعل المعقد لعديد من العوامل المساهمة، والمظاهر الإكلينيكية العديدة للمرض. وبدلًا من إعادة إنشاء جميع المحفزات التي تؤدي إلى «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف»، جمع سكياتاريلا وزملاؤه اثنين من عوامل الخطر الرئيسية – وهما: السمنة المرتبطة بعدم تحمل الجلوكوز (وهي حالة عدم قدرة على نقل السكر بكفاءة من الدم إلى الخلايا، مما قد يؤدي إلى الإصابة بمرض السكري)، وارتفاع ضغط الدم – في الفئران. وكان منطق الباحثين أن كلًا من هذين العاملين يُنشط عدة مسارات مرتبطة بالمرض.


أصاب الباحثون الفئران بالسمنة وعدم القدرة على تحمل الجلوكوز بجعلها تتبع نظامًا غذائيًا غنيًا بالدهون. كما جرى حفز الإصابة بارتفاع ضغط الدم بإعطائها عقارًا يسبب ذلك، والذي يثبّط الإنزيمات التي يجري التعبير عنها عادة بمستويات ثابتة لتحفيز إنتاج أكسيد النيتريك (التي تسمى إنزيمات أكسيد النيتريك البنيوية). أصيبت الفئران التي خضعت لهذه المعالجة بعديد من سمات «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف»، بما في ذلك ضعف امتلاء القلب، وعدم القدرة على ممارسة الرياضة، واحتقان الرئة، وزيادة مستويات الواسمات الجزيئية للالتهابات في القلب والدم . وكان من اللافت للنظر أن الجزء المقذوف في هذه الفئران ظل طبيعيًا حتى عمر 12 شهرًا على الأقل، وهو نصف عمر الفأر.


استخدم الباحثون بعد ذلك نموذجهم لاستقصاء دور البروتينات سيئة الانطواء في «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف». تتراكم هذه البروتينات في عديد من الاضطرابات التي تنطوي على إجهاد قلبي، بما في ذلك «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف»، وتنشط برنامجًا جزيئيًا يُعرف باسم «استجابة البروتينات غير المطوية» . وقد ركز سكياتاريلا وزملاؤه على الإنزيم المتطلب ، والذي يجري تنشيطه استجابةً للإجهاد الخلوي الناتج عن زيادة البروتينات سيئة الانطواء. يقص ذلك الإنزيم الحمض النووي الريبوزي الرسول الذي يشفر البروتين ويحوله إلى حمض نووي ريبوزي رسول أقصر يُشفّر بروتينًا يسمى « المضفَّر» .


وقد وجد سكياتاريلا وزملاؤه أن تنشيط إنزيم IRE1α ومستويات بروتين XBP1s قد انخفضا في قلوب فئران نموذج الفئران المصابة بحالة «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف»، وكذلك في عينات أنسجة القلب المأخوذة من أشخاص يعانون من الحالة نفسها، عند مقارنتها بعينات أفراد أصحاء . وعلى النقيض من ذلك، زادت مستويات بروتين XBP1s القلبية أو لم تتغيّر في الفئران والبشر المصابين بحالة «فشل القلب مع انخفاض الجزء المقذوف». وكان انخفاض مستويات XBP1s في قلوب الفئران المصابة بـ«فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف» ناتجًا عن تعديل إنزيم IRE1α عن طريق تفاعل S-nitrosylation. ومن المعروف أن هذه العملية، التي يرتبط فيها جزيء أكسيد النيتريك بذرات كبريت معينة في البروتينات، تقلل من نشاط إنزيم IRE1α.


وعلى الرغم من أن سكياتاريلا وزملاءه لم يحددوا الخلايا التي تُنتج أكسيد النيتريك، فقد لاحظوا أن إنزيم أكسيد النيتريك المُحَرَّض (‎iNOS)  -وهو إنزيم مُعبر عنه بقوة في نموذجهم لحالة «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف»- قد عزَّز تعديل إنزيم IRE1α بتفاعل S-nitrosylation. وقد تابعوا بحثهم من أجل إثبات أن التثبيط الدوائي أو الجيني لإنزيم iNOS، أو الإفراط في تعبير خلايا عضلة القلب عن بروتين XBP1s، قد خفف من عيوب امتلاء القلب، وعدم القدرة على ممارسة التمارين الرياضية، واحتقان الرئة، في الفئران التي جرى تحفيزها لإظهار سمات حالة «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف». وتسلط هذه النتائج الضوء على دور فقدان بروتين XBP1s في الآليات التي تقف وراء هذا المرض.


توضّح هذه الدراسة أن اثنين من عوامل الخطر الشائعة لحالة «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف» كافيان لإعادة إنتاج عديد من مظاهر هذا المرض. وسيكون نموذج الفئران الذي وضعه الباحثون مفيدًا في شرح آليات المرض وتطوير علاجات جديدة. وعلى الرغم من أن نماذج الحيوانات كبيرة الحجم غالبًا ما تكون أكثر قيمة في دراسة العمليات الفسيولوجية المعقدة واختبار العلاجات، فإن الفئران تتمتع بميزة سهولة تعديلها جينيًا وقصر عمرها. وهذا العامل الأخير من شأنه أن يسهل أيضًا دراسة تأثير تقدم العمر، وهو عامل خطر رئيسي آخر للإصابة بـ«فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف».


ولا تزال بعض الأسئلة قائمة دون إجابة. إذ يشير الشفاء غير المكتمل لمظاهر «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف» الذي لوحظ أنه يحدث استجابة لتثبيط إنزيم iNOS إلى أن مسارات جزيئية أخرى تشارك أيضًا في تقليل مستويات البروتين XBP1s. وعلى نحو أكثر عمومية، فقد استكشفت الدراسة آلية واحدة من الآليات المرشحة للتسبب في هذا المرض. ومن المحتمل أن ثمة آليات أخرى تسهم أيضًا، ويوفر نموذج فئران «فشل القلب مع المحافظة على الجزء المقذوف» الجديد تجربة أجريت داخل جسم كائن حي للتعرف إلى تلك الآليات.



6 عرض

© 2023 by The Artifact. Proudly created with Wix.com

This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now