• mostafa

الهجرة أزمة أم حل

تم التحديث: أغسطس 7



هجرة البشر، والحيوانات، والنباتات


عندما ألمَّت بالعالم جائحة كورونا، ودفعَتْ الحكوماتِ إلى إصدار أوامر حظر التجوُّل، سرعان ما شعرْنا جميعًا بأهمّية الحركة في حياة الإنسان. لقد حالت الجائحة بيننا وبين مغادرة الأحياء التي نقطُنُ فيها، حيث فُرضت علينا العزلة، وغمر حياتَنا التوتر، وأصابَنا رُهاب الأماكن المغلقة. تُرى هل نعاني نوعًا من تملمُل الهجرة، أو "أرق الطيور المهاجرة" Zugunruhe؛ تلك الحالة التي تعتري الطيور عندما يحين موعد ارتحالها؟


هذا الاضطراب، الذي لا يكاد ينجو منه منحى من مناحي حياة الجنس البشري، إنْ هو إلا دليلٌ آخر، تجدُر إضافته إلى الدراسات والقصص التي جَمَعَتها الصحفية سونيا شاه بين دفَّتي كتاب، لتُدلل بها على صحَّة ما ذهبت إليه، من أنَّ الهجرة ليست بالفعل الغريب أو الشاذ، وإنما هي "حقيقية ماثلة، وغيرُ عارضة". في كتابها "الهجرة الكُبرى التالية" The Next Great Migration، تتنبَّأ شاه بأن العالَم سوف يشهد موجاتِ نزوح -بشرية وغير بشرية على حدٍّ سواء- من جرَّاء تغيُّر المناخ؛ ليُكتَب بذلك فصلٌ جديد في قصَّة قديمة قِدَم الحياة نفسها. وترى المؤلفة أن هذه الهجرات طبيعية وشائعة، كما أنها -بوجهٍ عام- غير ضارة.



اقرأ أيضا ما هى المثلية الجنسية ؟



تطرح المؤلفة في كتابها فكرةً جوهرية، وتنجح في عرضها عرضًا مُقنعًا، مُفادها أن الساسةَ المناهضين للهجرة يُحرِّفون البيانات، ويُسيئون استخدامها؛ من أجل إقامة حواجز قاسيةٍ لا داعيَ لها. وتروي قصصًا ينفطر لها القلب عن المعاناة التي تُقاسيها الأُسَر المهاجرة في رحلاتها، غير أنها تَسُوق كذلك الأدلّة على أن المهاجرين يَنْعَمون -عمومًا- بصحّة أفضل، وأنهم أقلُّ استعدادًا لارتكاب جرائم عنف، مقارنةً بسكان البلدان التي يقصدونها. كما تستعرض دراساتٍ تشير إلى المكاسب الاقتصادية التي يجلبها المهاجرون إلى البلدان المضيفة.


أمَّا فيما يتعلق بالنباتات والحيوانات، فإن المؤلفة توجِّه سهام النقد إلى علماء البيولوجيا الذين يتلاعبون بالبيانات على نحوٍ يُظهِر الأنواع الوافدة من الخارج أسوأ مما هي عليه في الواقع. وتشير بأصابع الاتهام إلى دراسات الحالة "شديدة الانتقائية" التي يرصد فيها عالِم البيئة البارز تشارلز إلتون أكثر الأنواع الوافدة إخلالًا بالنظام الإيكولوجي (ومنها -على سبيل المثال- حيوان "الجلكى البحري" Petromyzon marinus، الذي يعيش أساسًا في المحيط الأطلسي، وقد نَجَم عن استقدامه إلى البحيرات العظمى بالولايات المتحدة إلحاق ضرر جسيم بأعداد سمك السلمون المرقط في تلك البحيرات). وتقول المؤلفة -بغير موارَبة- إن علماء الأحياء اللاحقين قد عَمَدوا إلى تهويل الأثر الاقتصادي المترتب على استقدام الأنواع غير المحلية، إذ ضمَّنوا حساباتهم تكلفة التخلُّص منها. كما خلُصت الكاتبة إلى أن تنبؤات علماء البيولوجيا المعنيِّين بدراسة بالأنواع الغازية بشأن "نهاية العالم الإيكولوجية" ecological Armageddon قد ثبتَ خواؤها. 


وبوصفي كاتبة متخصصة في علوم البيئة والحفاظ عليها (ولِي كتب منشورة في هذا المجال، منها -على سبيل المثال- كتابي الصادر في عام 2011 تحت عنوان: "حديقة هوجاء" Rambunctious Garden)، فإن الهجرات غير البشرية التي تتناولها سونيا شاه في كتابها إنما تقع في صميم تخصُّصي. وقد تعجَّبت من مَيلِها إلى وضع العديد من أنواع الانتقال البيولوجي في بوتقةٍ واحدة، في حين أن المتخصصين يرون أنها مختلفة فيما بينها أشدَّ الاختلاف. فالهجرات السنوية -كتلك التي يشتهر بها الإوز مخطَّط الرأس Anser indicus حين يقطع جبال الهيمالايا في رحلاتٍ سنوية من منغوليا إلى الهند ذهابًا وإيابًا- وكذلك انتثار البذور، وارتحال الحيوانات بحثًا عن أزواجٍ ومَواطن جديدة؛ كلُّ هذه الظواهر لا تُشبه -من قريبٍ أو بعيد- نقل البشر لبعض الأنواع عبر المحيطات، على غرار إدخال السلاحف الآسيوية عمدًا إلى جُزُر هاواي؛ من أجل تربيتها لتكُون مصدرًا للغذاء. فإذا كانت الأولى تُعَدُّ ظواهرَ طبيعية قَيِّمة، فإن الأخيرة لا تُعتبر ظاهرة طبيعية، كما أنها غير مرغوبة عمومًا، بل وربما تنطوي على شيءٍ من الخطر. ومع ذلك، وجدنا أن المؤلِّفة تغضُّ الطرف عن الدور البشري في أكثر الأحيان.


ولعلَّ هذا في حد ذاته يُشكِّل جانبًا من الموضوع محلَّ النظر؛ فطريقة حُكمنا على انتقال الأنواع من مكانٍ إلى آخر إنما هي نتاج ثقافتنا في نهاية المطاف، والحدودُ التي نُقِيمها في هذا الصدد تكاد أن تضاهي في عشوائيتها تلك الحدود التي تفصل بين بلداننا. والأمر -ببساطة- أن البشر ما هم إلا رئيسيات تحمل أجهزة "آي فون"؛ ولمَّا كان ذلك كذلك، فلماذا تحظى الأنواع التي ننقلها بأيدينا بمعاملة تختلف عن تلك التي ترتحل دون تدخُّلنا؟ فإذا كان بإمكان القرود أن تبلُغ العالَم الجديد بعد مُضيِّ 30 مليون عام من تكوُّن المحيط الأطلسي، وبإمكان البطاطا الحلوة أن ترتحل من تلقائها إلى جُزر بولينيزيا، وإذا وجدَتْ بذور شجرة الكُوَا، التي تنمو في جُزر هاواي، مَن يحرص على شرائها في جزيرة ريونيون، على الجانب الآخر من العالَم، فإنما يعني ذلك أنَّ حتى الارتحال عبر المحيطات يمكن أن يكون طبيعيًّا تمامًا، وإلا، فكيف تأتَّى للجُزر النائية أن تكون "موطنًا" أصليًّا لأي نباتات أو حيوانات من الأصل؟ 


معظم علماء البيولوجيا المختصِّين بدراسة الأنواع الغازية يتخذون موقفًا مناوئًا من تلك النقاشات الفلسفية حول مدى "طبيعية" هذه الهجرات، معتبِرين أنها نقاشات غيرُ ذات جدوى. وفي المقابل، يَنصبُّ اهتمامُهم على الأثر الذي تترُكه الأنواع المهاجرة على أوطانها الجديدة. فإذا كان هناك العديد من الكائنات الحيَّة القادرة على أن تقطع مسافاتٍ بعيدةً من تلقاء نفسها، فإن ذلك -في حدِّ ذاته- ليس دليلًا على أن الأنواع الوافدة لا يمكن أن تتسبَّب في وقوع أضرار؛ حيث إنَّ غالبية الأنواع غير المحلية لا تُكوِّن جماعات، ولا تتسبب في إحداث آثارٍ غير مرغوب فيها. وفي هذا الشأن، كتب إلتون يقول: "إنَّ عدد الغزوات البيولوجية التي تُحبَط أكبر بما لا يُقاس من تلك التي تحدث، كما أنها قد تفشل فور حدوثها، أو بعد ذلك بفترةٍ من الزمن قد تمتد إلى سنوات"، ولكن يبقى أن هناك عددًا من هذه الغزوات -وإنْ يكن قليلًا- يُكلَّل بالنجاح؛ بل إن بعضها -لاسيَّما إذا وقع على جزيرة، أو في بحيرة- يهدد الأنواع المحلِّية بالانقراض.


وما من شكٍ في أن مثل هذه الانقراضات قد وقعت إثر ارتحالاتٍ لمسافاتٍ بعيدة، لم يكن للبشر دخلٌ فيها، فليس من المستبعَد، مثلًا، أن يكون وصول القوارض المفاجئ إلى أمريكا الجنوبية قبل 41 مليون سنة قد ترتَّبت عليه آثارٌ ممتدَّة على النُّظم الإيكولوجية للقارة. والحقُّ أن الهجرات التي اتسعت جغرافيًّا حتى شمِلت شتَّى أرجاء الكوكب، وامتدَّت زمنيًّا إلى ملايين السنين -بما في ذلك الألفيات القليلة المنصرمة، إضافةً إلى رحلات الحيوانات والنباتات، سواءً انتقلت خلسةً على متن السُّفن، أم اصطحبها البشر في رحلاتهم– هي ما شكَّلت النظم الإيكولوجية التي نسعى الآن إلى حمايتها.


غير أن موجات النزوح التي يشهدها العالم اليوم صارت تحدُث بوتيرةٍ أسرع بما لا يُقاس من أي وقتٍ مضى، فقبل أن ينزل البشر بجزر هاواي، كانت الأنواع تصل إليها بمعدَّل 30 نوعًا جديدًا كل مليون عام؛ أمّا خلال القرنين الماضيين، فقد اعتادت الجُزر أن تستقبل 20 نوعًا جديدًا كل عام. وثمة حُجة أخلاقية ينبغي الدفع بها في هذا الصدد، مؤداها أنه حين ينقل البشر أنواعًا من الكائنات، تقع على عاتقنا مسؤوليةٌ جمعية تتمثل في العمل على تخفيف ما قد يكون لذلك من تبِعات. فإذا نظرنا إلى القطط والثعالب التي جُلبت إلى أستراليا بعد الاستيطان الأوروبي للقارَّة في عام 1788، نجد أنها قد كان لها دورٌ في القضاء على 22 نوعًا من الثدييات المحلية؛ مثل حيوان بَنْدَقوط الصحراء Perameles eremiana، وفأر أعشاش الخيزران الصغير Leporillus apicalis. وثمَّة أنواع وافدة عديدة لن تتسبَّب في إحداث مشكلات كبيرة، ولكن إذا ما أردنا تفادي انقراض مزيدٍ من الأنواع، فعلينا أن نتحكم في مجموعة فرعية من تلك الأنواع الوافدة بطريقة أو بأخرى. هذه الفروق الدقيقة لا تتعرَّض لها سونيا شاه في كتابها بالدقَّة التي قد ينتظرها المتخصصون.


ومع ذلك، فإنني أتفق مع ما ذهبَتْ إليه من ضرورة الربط بين مواقفنا حيال الهجرات بنوعيها؛ البشري، وغير البشري، لاسيَّما ونحن نشهد تصاعُد وتيرة تلك الهجرات نتيجةً لتغيُّر المناخ، على الرغم من إجراءات الغلق وتقييد الحركة، المفروضة حاليًّا بصفةٍ مؤقتة. فمع ارتفاع درجة حرارة الأرض، تتسلَّق الأشجار الجبال، وتطير الفراشات نحو الشمال، وتنقل الطيور أعشاشها إلى مواطن جديدة، وكذلك يتدفق البشر "من الجنوب إلى الشمال، على امتداد كوكبنا الآخِذ في الاحترار"، على حدِّ قول شاه. وتتنبأ الكاتبة بأن يتمخَّض الجفاف المتواصل عن موجات نزوحٍ بشرية، ستكون الأكبر والأكثر استدامة، حيث إن الهجرة الناجمة عن تغيُّر المناخ لن تتخذ شكل مدٍّ بشري صريح يمكن التنبؤ به؛ إذ ترى المؤلفة أن كل هجرة ستكون لها قصَّتُها الخاصة، وليدةُ تفاعل العوامل الاجتماعية، والاقتصادية، والشخصية المحيطة بها.


ومع استمرار المناخ في التغيُّر، يتحتَّم علينا أن نُفسِح السُّبل أمام البشر المُرغَمِين على الارتحال من أجل البقاء، بل وأنْ نساعدهم على ذلك، وكذلك الحيوانات والنباتات. وبدلًا من إحكام غلق الحدود، وبذل جهودٍ مُضنية لكبح التغيير بأي ثمن، يجدُرُ بنا أن نساعد المهاجرين على الانتقال بطريقة آمنة ومنظَّمة. والسياق كفيلٌ أن يوضح لنا أيّ تلك الانتقالات يفتقر إلى الحكمة؛ كأنْ تنتقل حيوانات مفترسة إلى جزيرة نائية. أما الحقيقة التي لا مفر منها، ولا بد من مواجهتها، فهي أن عالَمنا يمرُّ بتغيُّرات جوهرية على الأصعدة الاجتماعية، والسياسية، والبيئية. والمجتمعاتُ التي تشهد مثل هذه التحوُّلات لن تكون مختلفةً فحسب، بل ستكون -في أغلب الظن- أقدرَ على التكيُّف الذي يؤهِّلها للازدهار في عالَمنا الآخِذ في الاحترار. وكما كتبت شاه: "في إمكاننا أن نحوِّل الهجرة من أزمةٍ إلى النقيض؛ فتصير هي الحل".

© 2023 by The Artifact. Proudly created with Wix.com

This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now