• mostafa

ثم لم يبق أحد اجاثا كريستي الفصل الرابع

ثم لم يبق أحد اجاثا كريستي الفصل الرابع

الفصل الرابع


كانت مفاجأة مذهلة وغير متوقَّعة، مفاجأة حبست أنفاسهم فجمدوا في أماكنهم ينظرون ببلاهة إلى الجسد المتكوّم على الأرض، ثم قفز الدكتور آرمسترونغ وذهب وركع إلى جانبه، وعندما رفع رأسه بدت في عينيه حيرة شديدة وحشرج هامساً بفزع : يا إلهي ، لقد مات!

لم يستوعبوا الأمر في الحال. مات؟ مات ؟! ذلك الشاب في عنفوان صحّته وقوته يصبح جثة هامدة في لحظة واحدة!

الشباب الأصحّاء لا يموتون هكذا بمجرَّد أن يَشرَقوا بجرعة من العصير بالصودا! لا، لم يكُن بوسعهم أن يصدّقوا ما حصل.

راح الدكتور آرمسترونغ يحدّق إلى وجه الرجل الميت، وأخذ يشتمّ شفتيه الملتويتين الضاربتين للزرقة ثم رفع الكأس التي كان أنتوني مارستون يشرب منها، وقال الجنرال ماك آرثر: مات؟ هل تعني أن الرجل شَرِقَ فقط و... ومات؟!

فقال الطبيب : يمكنك القول أنه شرِق إذا شئت ، ولكنه مات اختناقا.

كان يشتمّ الكأس، ثم غمس إصبعه في البقية الباقية فيها وبكل حذر لمس بإصبعه طرف لسانه، وتغيرت ملامحه فور اً!

قال الجنرال ماك آرثر: لم أعرف قط أن رجلاً قد يموت بهذه السهولة، فقط لأنه شَرِقَ بجرعة شراب.

وقالت إميلي برنت بصوت واضح : هذا في وسط الحياة، ولكننا هنا في مواجهة الموت.

ونهض الدكتور آرمسترونغ وقال بحدة: لا ، لا ، أحد يموت لمجرَّد أنه شَرِق بشيء، إن موت مارستون لم يكُن طبيعياً.

فقالت فيرا على الفور بما يشبه الهمس: هل يوجد شيء في العصير؟

أومأ آمسترونغ إيجاباً وقال: نعم ، لا أعرف المادة بالضبط ولكن كل شيء يشير إلى نوع من السيانيد. لم أشتمّ رائحة حامض البروسيك. قد يكون سيانيد البوتاسيوم، فهي مادة تفعل فعلها فوراً.

قال القاضي بحدّة: هل كانت تلك المادة في كأسه؟

- نعم.

خطا الطبيب إلى الطاولة التي كانت عليها المشروبات فرفع غطاء زجاجة العصير وشمّها وذاقها، ثم هزّ رأسه قائلا :لا عيب فيه.

قال لومبارد : أتعني أنه وضع المادة في الكأس بنفسه؟

أومأ آرمسترونغ بتعبير يدلّ على عدم ارتياحه وقال: يبدو الأمر كذلك؟

وقال بلور : أتعني أنه انتحار ؟! هذه ميتة غريبة!

قالت فيرا ببطء : لا يخطر بالبال أبداً أنه قد يقتل نفسه . لقد كان ، كان ... يا إلهي لا أستطيع الوصف!

ولكنهم كانوا يعرفون ماذا كانت تعني؛ كان أنتوني مارستون يبدو في أوج شبابه ورجولته ، وها هو الآن هامد متكوّم على الأرض لا حياة فيه .

قال الدكتور آرمسترونغ : هل ترون احتمالاً آخر غير الانتحار؟

هزّ الجميع رؤوسهم ببطء، فلا يمكن أن يكون للأمر تفسير آخر؛ المشروبات نفسها لم يعبث بها أحد ، وجميعهم شاهدوا أنتوني مارستون يذهب ويصبّ شرابه بنفسه، إذن فمعني ذلك أن أي مادة سامّ ة وُضعت في الشراب قد وُضعت بيد أنتوني مارستون نفسه! ولكن ما الذي يدفع أنتوني مارستون إلى الانتحار؟!

قال بلور متفكر اً: أتدري أيها الطبيب؟ الأمر لا يبدو مقنعاً؛ ليس بوسعي القول بأن السيد مارستون كان من نوع الرجال الذين قد يُقِدمون على الانتحار.

فأجاب آرمسترونغ : أوافقك الرأي.

-2-

ترك الجميع الأمر على حاله، فلم يكُن لديهم ما يمكن أن يُقال. وحمل آرمسترونغ ولومبارد معاً جثة أنتوني آرمسترونغ إلى غرفته فأرقداها هناك وغطّياها بملاءة، وعندما عادا إلى الطابق السفلي كان الآخرون يقفون مجتمعين ويرتعشون قليلاً رغم أن المساء لم يكُن بارد.

قالت إميلي برنت: الأفضل أن نأوي إلى غرفنا؛ لقد تأخر الوقت.

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل فبدا الاقتراح معقولاً، ومع ذلك فقد تردد الجميع، وبدا كما لو أنهم يودّون البقاء معا ليشعروا بالطمأنينة، وقال القاضي: أجل ، علينا أن ننام بعض الوقت.

قال روجرز: لم أنتهِ من التنظيف في غرفة الطعام بعد.

فقال لومبارد باقتضاب: قُم بذلك في الصباح.

وقال له آرمسترونغ: هل زوجتك على ما يرام؟

- سأذهب واراها يا سيدي.

ثم عاد بعد دقيقة أو دقيقتين وقال : إنها نائمة كالملائكة.

فقال الطبيب : حسناً ، لا تزعجها.

- بالطبع يا سيدي، فقط سأضع الأشياء في غرفة الطعام وأتأكد من إغلاق الأبواب ، ثم سآوي إلى غرفتي. وخطا عبر القاعة إلى غرفة الطعام، وصعد الجميع الدرَج في طابور بطيء متردد.

لو كان هذا البيت قديماً تئن أخشابه وتمتلئ زواياه بالظلال المعتمة ولو كانت جدرانه داكنة لوُجد ما يثير مشاعر الخوف، ولكن هذا البيت كان غاية في الحداثة وليست فيه أي زوايا معتمة، كانت الأضواء تغمره ولم يكُن فيه أشياء مخبّأة، لم يكن له جو خاص. ولكن هذه الحقيقة كانت – على نحو ما – أكثر الأشياء مدعاة للخوف!

تبادلوا تحية المساء عندما وصلوا أعلى الدرَج ، وذهب كل منهم إلى غرفته، وبصورة تلقائية ودون انتباه تقريباً أقفل كل منهم باب غرفته على نفسه.

-3-

في غرفته المريحة التي طُليت جدرانها بألوان باهتة جميلة خلع القاضي وارغريف ملابسه واستعدّ للنوم. كان يفكر بإدوارد سيتون. إنه يذكر سيتون جيداً؛ شعره ، عينيه الزرقاوين ، عادته في النظر إليك مباشرة، الهالة اللطيفة من الاستقامة والصدق التي كانت تبدو عليه... كان ذلك قد ترك في نفوس المحلفين انطباعاً جيداً عنه.

كان ليولين، المدّعي العام، قد أدّى مهمته بطريقة سيئة مبدياً حماسة مبالَغاً فيها ومحاوِلاً إثبات الكثير، أما ماثيوس محامي الدفاع.

فقد كان جيّداً؛ كانت أدلته قاطعة وكانت مناقشته للشهود دقيقة، وكان بارعاً للغاية في استجواب موكّله على منصة الشهود. كما أن سيتون كان قد أبلى بلاء حسناً في مواجهة استجواب الادّعاء ، فلم يتحمس أو يبالغ أكثر ممّا ينبغي وأعطى المحلفين انطباعاً جيّد اً. ولعله بدا لماثيو كما لو أن كل شيء يسير كما ينبغي. وضع القاضي ساعته بعناية إلى جوار سريره، وتذكّر بدقّة كيف كان يشعر وهو جالس هناك يستمع ويأخذ ملحوظات ويقيّم كل شيء مرتّباً كل ما فيه دليل ضدّ المتهَم . كان قد استمتع بالقضية، وكانت كلمة ماثيو النهائية مرافعة من الطراز الأول، وحين جاء الدور على ليولين بعده فشل في إزالة الانطباع الحسن الذي تركه محامي الدفاع، ثم جاء دوره هو لإجمال القضية وإعطاء توجيهاته للمحلّفين.

خلع القاضي وارغريف بعناية طقم أسنانه ووضعه في كوب ماء، فتراجعت شفتاه المنكمشتان داخل فمه الذي بدا قاسياً ومتوحشاً، وابتسم القاضي لنفسه وهو يضع قناعاً على عينيه، لقد مكر لسيتون بكل براعة! وتمدّد على السرير وهو يئن قليلاً من آلام المفاصل ، ثم أطفأ النور.

-3-

وقف روجرز حائراً في غرفة الطعام في الطابق الأرضي. كان ينظر إلى تماثيل الجنود الخزفية في وسط الطاولة، ثم غمغم قائلاً لنفسه : إنه لأمر غريب؛ أستطيع أن أقسم أنه كان هنا عشر قطع!

تقلب الجنرال ماك آرثر على سريره ولم يستطع النوم، وفي ظلال الغرفة ظلّ يرى وجه آرثر ريتشموند. كان قد أحب آرثر، بل كان معجَباً به إعجاباً شديداً ، وكان سعيداً بأن ليزلي قد انسجمت معه أيض اً. كانت ليزلي امرأة متعالية تنظر بتعا ل إلى كثير من الشبان المتميّزين وتصفهم بأنهم أغبياء، هكذا ببساطة ، أغبياء، إلاَ أنها لم تجد آرثر ريتشموند غبياً بل انسجما معاً منذ البداية، فكانا يتحدثان عن المسرح والموسيقى وكانت تمازحه وتسخر منه.

وكان ماك آرثر مسروراً بفكرة أنّ ليزلي تبدي به اهتمام الأم. ولكن أيّ أمومة ؟! يا لها من حماقة لعينة حين لم ينتبه وقتها إلى أن ريتشموند كان في الثامنة والعشرين وليزلي في التاسعة والعشرين! لقد أحب ليزلي ، وبوسعه أن يراها الآن في خياله بوجهها المستدير وعينيها الراقصتين بلونهما الرمادي العميق وشعرها البني الكثيف الملفوف... لقد أحبّ ليزلي ووثق بها تماماً.

كان هناك في فرنسا وسط الجحيم، كان جالساً يفكر فيها ناظراً إلى صورتها التي كان قد أخرجها من جيب قميصه، وعندها اكتشف الأمر، تماماً كما تحدث الأشياء في الروايات؛ الرسالة في الظرف الخطأ، كانت تكتب لكليهما، وكانت قد وضعت رسالتها إلى ريتشموند في الظرف المعنوَّن إلى زوجها! وحتى الآن، وبعد كل هذه السنوات ، ما زال يشعر بوقع الصدمة وبالألم . كم كان ذلك مؤلمً!

كانت علاقتهما قد بدأت منذ بعض الوقت، وكان ذلك واضحاً في الرسالة: عطلات نهاية الأسبوع، إجازة ريتشموند الأخيرة... قال لنفسه بسخط : ليزلي ! ليزلي وآرثر ! لعن الله ذلك الرجل، لعن الله وجهه البسّام و " نعم سيدي " التي يهتف بها بكل نشاط... يا له من كاذب منافق يسرق زوجة رجل آخر!

تجمّع غضبه ببطء، ذلك الغضب البارد القاتل، واستطاع الاستمرار في التعامل معه كالمعتاد ولم يُظهر له شيئ اً. حاول المحافظة على سلوكه الطبيعي مع ريتشموند كما هو ، وهو يعتقد أنه نجح في ذلك فلم يتطرق إلى نفس ريتشموند أيّ شك . اختلاف المزاج كان له ما يبرره هناك حيث تضغط أهوال الحرب على أعصاب الرجل باستمرار.

وحده أرمتياج الشاب نظر إليه بفضول مرّة أو مرّتين . كان شاباً صغيراً ولكن كانت لديه قدرة قوية على الملاحظة، وربما كان أرمتياج قد عرف عندما حان الوقت. لقد أرسل ريتشموند بتدبير محكّم إلى حتفه، فلم يكُن ممكناً له النجاة إلى بمعجزة والمعجزة لم تحدث، نعم ، لقد أرسل ريتشموند إلى الموت، ولم يكن نادم اً. كانت المسألة سهلة تماماً؛ الأخطاء كانت تقع طول الوقت والرجال يُرسَلون إلى الموت دون مبرر ، وكان الجو مشحوناً بالاضطراب والرعب، فكان يمكن للناس أن يقولوا فيما بعد : " لقد فقد ماك آرثر أعصابه قليلاً فارتكب بضعة أخطاء كبيرة وضحّى ببعض خيرة رجاله ... " ، ولكن لم يكُن بوسعهم أن يقولوا أكثر من ذلك.

ولكن الفتى أرمتياج كان مختلفاً؛ لقد نظر إلى قائده بدهشة شديدة. ربما علم أن ريتشموند كان مرسَلاً إلى موته بتدبير مسبّق. تُرى هل تكلّم أرمتياج بعد انتهاء الحرب؟ ليزلي لم تعلم. افترضَ أنها بكت صاحبَها ، ولكن بكاءها كان قد انتهى حين عاد هو إلى إنكلترا . لم يخبرها قط أنه اكتشف الأمر واستمرا معاً ، ولكنها لم تعُد إلى طبيعتها كما كانت .

ثم أصيبت بالتهاب رئوي بعد ثلاث سنوات أو أربع وماتت.

كان ذلك منذ وقت طويل، خمسة عشر عاماً أو سنة عشر. وقد ترك الجيش وجاء للعيش في ديفون فاشترى بيتاً صغيراً من النوع الذي كان يحلم بامتلاكه دائماً، جيران طيّبون ومنطقة جميلة من العالَم وبعض الصيد البّري وصيد الأسماك... كان الناس جميعاً ودودين في البداية، ولكنه بدأ يشعر بعد ذلك بالقلق من إحساسه بأن الناس يتحدثون من وراء ظهره، وبدا له أنهم ينظرون إليه – على نحو ما – بصورة مختلفة كما لو أنهم سمعوا شيئاً، إشاعة ما. هل هو أرمتياج ؟ هل من الممكن أن يكون أرمتياج قد تكلم؟

تجنّب الناس بعد ذلك وتقوقع داخل نفسه. كم هو مؤلم أن تشعر أن الناس يتحدثون عنك!

كان ذلك كله منذ وقت طويل، كلام لا جدوى منه الآن.

ليزلي تلاشت بعيداً وكذلك ريتشموند ، لا شيء ممّا حدث تبدو له أهمية الآن، ولكن ذلك جعله وحيداً في حياته وأصبح حريصاً على تجنّب رفاقه القدامى في الجيش؛ فإذا كان أرمتياج قد تكلم فسيكونون على علم بالموضوع.

والآن ، الليلة ، دوّى صو ت خفيّ معلناً تلك القصة القديمة المخفيّة. هل تعامل مع الموضوع كما ينبغي؟ هل تجنّب الثرثرة؟

هل أظهر القدر الكافي من مشاعر الغضب والاحتقار دون الإحساس بالذنب أو الارتباك؟ من الصعب أن يجزم بذلك. من المؤكَّد أن أحداً لم يحمل الاتهام على محمل الجدّ . لقد كان في ذلك الحديث الكثير من الهراء غير المعقول أيضاً، تلك الفتاة الجميلة اتهمها الصوت بإغراق طفل! إنه اتهام أحمق؛ رجل مجنون يرمي الناس بالتهم جِزاف اً! إميلي برنت أيضاً، وهي ابنة أخي توم برنت زميله في الكتيبة، اتهمها الصوت بارتكاب جريمة قتل! إن بوسع أيّ واحد )حتى لو كان بنصف عين( أن يرى كم هي تقية صالحة. المسألة كلها شيء غريب لعين... جنون، لا أقلّ من ذلك.

منذ وصولهم إلى هذا المكان و... ولكن متى كان ذلك؟ كان ذلك هذا المساء فقط! ولكن تبدو المدة أطول من هذا بكثير!

قال لنفسه: تُرى متى سنخرج من هنا ثانية؟ غداً طبعاً عندما يعود القارب من الشاطئ.

ولكنه لم يكُن – في تلك اللحظة- مهتمّاً كثيراً بمغادرة الجزيرة أو بالعودة إلى الشاطئ ثم إلى بيته الصغير، العودة إلى كل ذلك القلق والمتاعب، كان بوسعه سماع صوت الأمواج وهي ترتطم بالصخور من خلال نافذته المفتوحة، كان الصوت أعلى قليلا مما كان عليه في وقت سابق من المساء، وكانت الريح تشتدّ أيضاً . وفكّر قائلاً لنفسه: هذا صوت هادئ ومكان هادئ. أفضل ما في أية جزيرة انك عند وصولك إليها لا تستطيع الذهاب إلى أبعد منها ، فأنت تصل إلى نهاية الأشياء.

وأدرك فجأة أنه لا يريد مغادرة الجزيرة!

-6-

استلقت فيرا كلايثورن في سريرها مفتوحة العينين تحدّق إلى سقف الغرفة. كان المصباح إلى جانبها مضاء، لقد كانت تخاف الظلام. وكانت تفكر قائلة لنفسها: هوغو ، هوغو ... لماذا أشعر انك قريب جداً منّي في هذه الليلة؟ قريب جداً في مكان ما. أين هو حقاً؟ لا أعرف ، ولن أعرف أبد اً. لقد خرج من حياتي وذهب بعيداً جد اً.

لم يكن ممكناً عدم التفكير في هوغو ؛ لقد كان قريباً منها وكانت مجبّرة على أن تفكر فيه، وأن تتذكر ، كورنوول .. الصخور السوداء، ألرمال الناعمة، السيدة هاملتون مرحة الطباع ، وسيريل المتذمر قليلاً دائماً وهو يشدّ يدها. كان يقول لها : أريد أن أسبح إلى الصخرة يا آنسة كلايثورن. لماذا لا أستطيع السباحة إلى الصخرة؟

ترتفع عيناها وتلتقيان بعينيّ هوغو وهو يراقبها، وتلك الأمسيات بعد ذهاب سيريل إلى النوم. كان يقول لها: هل تأتين لتتمشّي معي يا آنسة كلايثورن؟

- نعم ، سآتي.

المشّي بهدوء على الشاطئ، وضوء القمر، ونسيم المحيط الأطلسيّ العليل ، ثم كفّ هوغو وهي تحتضن كفّها وصوته الرقيق وهو يقول : أحبك ، أحبك ، أتعرفين أنني أحبك يا فيرا؟

نعم ، كانت تعرف، أو لقد خُيّل لها أنها كانت تعرف. تذكّرَته حين قال لها : لا أستطيع أن أطلب منكِ أن تتزوجيني ؛ فليس في جيبي بنس واحد ولا أستطيع أن أعول غير نفسي. شيء غريب! هل تعلمين؟ لقد حانت لي فرصة مرّة لمدة ثلاثة أشهر لأن أطمح إلى أن أكون ثرياً، فسيريل لم يولَد إلاَ بعد ثلاثة شهور من وفاة موريس. لو انه كان بنتاً... لو كان هذا الطفل بنتاً لكان هوغو قد حصل على كل شيء. لقد اعترف بأن أمله قد خاب، كان يقول: لم أعتمد على ذلك بالطبع، ولكنها كانت صدمة نوعاً ما. الحظ هو الحظ! سيريل طفل لطيف وأنا معجَب به للغاية.

وفعلاً كان معجَباً به . كان مستعداً دائماً ليلعب مع ابن أخيه أو يسليّه بأي شكل، ولم يكُن الحقد في طبع هوغو. لم يكُن سيريل قوياً حقاً بل كان طفلاً ضعيفاً ولا قدرة له على الاحتمال، وربما كان من نوع الأطفال الذين لا يعيشون حتى يكبروا.ثم... اقتحم ذاكرتها صوته وهو يلحّ عليها في السؤال: آنسة كلايثورن، لماذا لا أستطيع السباحة إلى الصخرة؟

كان السؤال مزعجاً ومتكرراً ، وكانت تجيبه دائماً : لأن الصخرة بعيدة يا سيريل.

- ولكن يا آنسة كلايثورن.... نهضت فيرا وتوجهت إلى طاولة الزينة فأخذت ثلاث حبّات من الأسبرين، وقالت لنفسها: حبذا لو كان لديّ حبوب منوّمة حقيقية. لو أنني فكرت في قتل نفسي لأخذت جرعة زائدة من الفيرونال أو شيء من هذا النوع وليس سيانيد اً!

سرت في جسدها رجفة حين تذكَرت وجه أنتوني مارستون الأحمر المتشنج، وحين مرّت بالمدفأة نظرت إلى مقطوعة الشعّر المعلّقة فوقها: عشرة جنود صغار خرجوا للعشاء أحدهم شَرِقَ فمات فبقي تسعة وقالت لنفسها: يا له من أمر مُخيف؛ تماماً مثلما حدث هذا المساء! لماذا كان أنتوني مارستون يريد الموت؟

هي لا تريد الموت، لا تستطيع تخيّل أنها تريد الموت! الموت من نصيب ال... الآخرين.

-1-

كان الدكتور آرمسترونغ يحلم: كان الجو حارّاً في غرفة العمليات، من المؤكَّد أنهم ضبطوا الحرارة على درجة مرتفعة. كان العرق يسيل على وجهه، وكانت يداه لزجتين ولم يكن بوسعه إمساك المشرط جيد اً. كم كانت جميلة حدّة المشرط! من السهل القيام بالقتل باستخدام سكين كهذه، وهو بالطبع كان بصدد القتل.

بدا جسد المرأة مختلفاً، كان ضخماً ثقيلاً، ولكن تلك المرأة كانت نحيفة وضئيلة، وكان الوجه مخفي اً. مَن الذي كان عليه أن يقتله؟

لم يستطع التذكر، ولكنه يجب أن يعرف هل يسأل الممرضة؟ الممرضة كانت تراقبه. لا ، لا يستطيع سؤالها، لقد كانت متشككة وكان بوسعه رؤية ذلك. ولكن مَن كان على طاولة العمليات؟ ما كان ينبغي لهم أن يُخفوا الوجه على هذا النحو. ليته يستطيع رؤية الوجه.

آه ، هذا أفضل . وجد شابّاً متدرّباً يسحب المنديل، وها هو .

الوجه. نعم، إميلي برنت بالطبع، كان عليه أن يقتل إميلي برنت. كم كانت عينها خبيثة! كانت شفتاها تتحركان، ماذا كانت تقول؟ كانت تقول: وسط الحياة نحن في مواجهة الموت.

كانت تضحك، وكان هو يقول للممرضة : لا أيتها الممرضة، لا تعيدي وضع المنديل، عليّ أن أرى ، عليّ أن أعطيها المخدّر. أين المخدّر؟ لا بدّ أنني أحضرته معي! ماذا فعلتِ بالمخدر أيتها الممرضة؟ حسناً، هذا يكفي تماماً.

أنزعي المنديل بعيداً أيتها الممرضة.

بالطبع كنت أعرف ذلك كل الوقت، هذا أنتوني مارستون. إن وجهه أحمر متشنج ولكنه ليس ميتً. إنه يضحك، نعم ، يضحك لدرجة أنه يهزّ طاولة العمليات!

- انتبه أيها الرجل ، انتبه ، ثبّتي الطاولة أيتها الممرضة ، ثبّتي الطاولة!

وفجأة استيقظ الدكتور آرمسترونغ ، وكان الصباح قد طلع وأشعة الشمس تتدفق في الغرفة. كان شخص ما ينحني فوقه ويهزّه، وكان ذلك الرجل روجرز. كان ممتقع الوجه ينادي: دكتور، دكتور.

واستيقظ الدكتور آرمسترونغ تماماً وجلس في سريره وقال بحدّة: ما الأمر؟

- زوجتي يا دكتور ، لا أستطيع إيقاظها! يا إلهي! لا أستطيع إيقاظها ، وهي... وهي لا تبدو لي طبيعية.

كان الدكتور آرمسترونغ سريعاً، فلفّ نفسه في ثوب النوم وتبع روجرز.

-2-

انحنى الدكتور آرمسترونغ فوق السرير الذي كانت ترقد عليه المرأة بسلام على جنبها، ورفع يدها الباردة وفتح جفنها ، ومرّت دقائق قبل أن يرفع قامته ويتحول عن السرير.

همس روجرز: هل هي...؟ هل هي...؟

ومرّر لسانه على شفتيه الجافتّين، فأومأ الدكتور آرمسترونغ قائلا : نعم ، لقد ماتت.

واستقرّت عيناه بتأمّل على الرجل الواقف أمامه ثم على الطاولة المجاورة للسرير ثم على حوض الغسيل، ثم رجعتا إلى المرأة النائمة، وقال روجرز: هل كان .... هل كان قلبها يا دكتور؟

وانتظر الدكتور آرمسترونغ دقيقة أو اثنتين قبل الإجابة ثم سأل: كيف كانت صحتها في العادة؟

قال روجرز : كانت تعاني قليلاً من آلام العظام.

- هل كان يشرف عليها أيّ طبيب مؤخَّراً؟

قال روجرز: طبيب؟ لم ترَ طبيباً منذ سنوات، لا هي ولا أنا.

- هل لديك أيّ سبب يجعلك تعتقد أنها عانت من مشكلات في القلب؟

- لا يا دكتور ، لم أعرف شيئاً كهذا من قبل.

قال آرمسترونغ: هل كانت تنام جيداً؟

فتجنّب روجرز النظر إليه وأخذ يشبّك يديه ويديرهما بقلق ثم غمغم قائلا : لا ، لم تكُن تنام جيد اً.

فقال الطبيب بحدّة: هل كانت تأخذ شيئاً لمساعدتها على النوم؟

فحدّق إليه روجرز مدهوشاً وقال: تأخذ شيئاً لمساعدتها على النوم؟! ليس حسب علمي. أنا على يقين من أنها لم تكُن تأخذ شيئا.

خطا آرمسترونغ إلى حوض الغسيل حيث كان هناك عدد من الزجاجات على رفّ الحوض، معجون للشعر، ماء عطري، زجاجة مليّن للمعدة، سائل غلسرين للأيدي، مطهّر سائل للفم، معجون آسنان... وساعده روجرز بفتح أدراج خزانة الملابس، ثم انتقلا من هناك إلى خزانة أدراج أخرى ولكنهما لم يجدا أية دلائل على وجود شراب أو حبوب منوّمة. قال روجرز: لم تأخذ شيئاً الليلة الماضية – يا سيدي – ما عدا الدواء المسكّن الذي أعطيتَه أنت لها.

-3-

عندما دقّ جرس الإفطار في تمام التاسعة كان الجميع قد نهضوا وخرجوا ينتظرون دعوتهم إلى غرفة الطعام، وكان الجنرال ماك آرثر والقاضي يذرعان الشرفة الخارجية ويتبادلان تعليقات متقطعة حول الموقف السياسي، وكانت فيرا كلايثورن وفيليب لومبارد قد صعدا إلى قمة الجزيرة خلف المنزل، وهناك وجدا ويليام هنري بلور واقفاً ينظر إلى الشاطئ، وحين رآهما قال: لا أثر للقارب البخاري حتى الآن، كنت أرقب الشاطئ بحثاً عنه.

فقالت فيرا مبتسمة: ديفون منطقة يحبّ أهلها النوم، والأمور هنا تتأخر عادة.

وكان فيليب لومبارد ينظر إلى البحر في الاتجاه المعاكس فقال فجأة: ما رأيكم في الطقس؟

نظر بلور إلى السماء وقال: يبدو لي جيد اً.

وصفر لومبارد بفمه وقال: ستهبّ الريح قبل نهاية اليوم.

قال بلور : أتعني عاصفة؟

ثم تناهى إليهم صوت جرس يأتي من أسفل فقال فيليب لومبارد: الإفطار؟ حسناً، أنا بحاجة إليه.

وفيما كانوا يهبطون المنحدّر الحادّ قال بلور للومبارد بنبرة تأمّل: أتعرف؟ تحيرّني مسألة ما. لماذا أراد ذلك الشابّ وضع حدّ لحياته؟ ! لقد كنتُ أفكر في الأمر طول الليل.

كانت فيرا تتقدمهما ، فتباطأ لومبارد قليلاً وقال: هل لديك نظرية أخرى؟

- أحتاج إلى بعض الإثباتات. لا بدّ من وجود حافز أولاً، وهو كان رجلاً ميسور الحال فيما أعتقد.

وأطلّت عليهم إميلي برنت من نافذة غرفة الجلوس فسألت: هل القارب قادم؟

فقالت فيرا: ليس بعد.

ثم دخلوا إلى قاعة الإفطار حيث كان طبق واسع يحوي بيضاً وعلى الطاولة الجانبية رقائق مقلية من اللحم إضافة إلى الشاي والقهوة، وأمسك روجرز بالباب مفتوحاً لكي يدخلوا ثم أغلقه من الخارج.

فقالت إميلي برنت: ذلك الرجل يبدو مريضاً اليوم.

فتنحنح الطبيب الذي كان يقف إلى جوار النافذة وقال: عليكم تحمّل أية نواقص هذا الصباح؛ فقد تعيّن على روجرز أن يبذل كل ما في وسعه لإعداد الإفطار وحده لأن السيدة روجرز لم تستطع استئناف العمل هذا الصباح.

قالت إميلي برنت بحدّة: ما خطب هذه المرأة؟

فقال الدكتور آرمسترونغ بهدوء: دعونا نبدأ فطورنا؛ البيض سيبرد، وبعد الإفطار لديّ عدّة أمور أودّ أن أبحثها معكم.

وإذ وافقوه على ملاحظته أقبلوا يملؤون أطباقهم بالطعام وأقداحهم بالشاي والقهوة، وبدأت الوجبة، وبدا أنهم مجمعون على عدم التحدث عن أيّ شيء يخصّ الجزيرة ، وبدلاً من ذلك دار حديث متقطّع حول الأحداث، الجارية: الأخبار من الخارج، الأحداث الرياضية العالَمية، آخر الأنباء حول عودة وحش بحيرة نيس للظهور... ثم رُفعت الأطباق، فدفع الدكتور آرمسترونغ كرسيّه إلى الوراء قليلاً وتنحنح بطريقة تثير الاهتمام وقال: رأيتُ من الأفضل أن أنتظر حتى تنتهوا من إفطاركم لأبلغكم بخير سيّئ. لقد ماتت السيدة روجرز في أثناء نومها.

حلّ عليهم ذهول وعلت أصواتهم بهمهمة جماعية، وقالت فيرا بدهشة: يا إلهي! حالنا موت على هذه الجزيرة منذ وصولنا!

- قال القاضي وارغريف وعيناه تضيقان وبصوت خفيض وواضح ودقيق: أمر عجيب جد اً! ماذا كان سبب موتها؟

هزّ الدكتور آرمسترونغ كتفيه وقال: من المستحيل معرفة ذلك في التوّ .

- لا بدّ من إجراء تشريح.

- بالتأكيد لا أستطيع إعطاء شهادة؛ فليس لديّ أيّ معرفة بحالة المرأة الصحيّة.

قالت فيرا : كانت تبدو امرأة عصبية للغاية، وقد تلقّت صدمة أمس. قد يكون السبب نوبة قلبية.

قال الدكتور آرمسترونغ بجفاء: مؤكد أن قلبها قد توقف عن النبض، ولكن ما سبب توقفه عن النبض؟ هذا هو السؤال.

وأفلتت كلمة واحدة من إميلي برنت وقعَت بشدّة ووضوح على المجموعة المصغية إذ قالت: الضمير.

فالتفت إليها آرمسترونغ وقال: ماذا تقصدين بالضبط يا آنسة برنت؟

قالت إميلي برنت بحزم وشدّة: لقد سمعتم جميعاً، لقد ا تهِمت مع زوجها بتدبير اغتيال مستخدِمتها السابقة السيدة العجوز.

- وهل تعتقدين هذا؟

- أعتقد أن الاتهام كان صحيحاً؛ لقد رأيتموها جميعكم الليلة الماضية حين انهارت وغابت عن الوعي، فقد كانت صدمة كشُف عملها الشرير أكبر من أن تحتملها. لقد ماتت من الخوف فعلياً.

هزّ الدكتور آرمسترونغ رأسه متشككاً وقال: إنها نظرية محتَملة، ولكن المرء لا يستطيع تبنّي نظرية كهذه دون معرفة دقيقة بحالتها الصحية وما إذا كان لديها ضعف في القلب مثلا .

قالت إميلي برنت: سمّه تدبيراً ربانياً إن شئت.

بدت الصدمة على الجميع وقال السيد بلور بقلق: هذه مبالَغة في الأمور يا آنسة برنت.

نظرَت إليهم بعينين لامعتين وارتفع ذقنها وهي تقول: أتعتبرون من المستحيل أن يتعرض خاطئ لغضب الله؟ أنا لا أعتقد ذلك.

مسح القاضي ذقنه وغمغم: سيدتي العزيزة، من خلال خبرتي في الجريمة وجدت أن مهمّة إثبات الجرم وإيقاع العقاب أمو ر مَ نوطة بناء نحن البشر، وهذه المهمّة محفوفة بالمخاطر، ولا توجَد طرق مختصَره لإنجازها.

فهزّت إميلي برنت كتفيها وقال بلور بحدّة: ماذا أكلت أو شربت الليلة الماضية بعد أن ذهبت إلى سريرها؟

فقال آرمسترونغ: لاشيء.

- ألم تتناول أيّ شيء؛ كوب شاي أو كوب ماء مثلاً؟ أراهنك أنها تناولت كوب شاي فهي من نوع النساء اللاتي يفعلن ذلك دائماً.

- لقد أكّد لي روجرز أنها لم تتناول شيئاً على الإطلاق.

وقال بلور: آه ، طبعاً ، من المتوقَّع أن يقول شيئاً كهذا.

كانت نبرته عميقة الدلالة بحيث نظر إليه الطبيب بحدّة، وقال فيليب لومبارد: أهذا ما تظنه إذن؟

فقال بلور بلهجة عدائية: حسناً، لِمَ لا؟ لقد سمعنا جميعاً ذلك الاتهام ليلة أمس، وقد يكون كله كلاماً فارغاً ومحض ثرثرة حمقاء، ولكن – من جهة أخرى – قد لا يكون الأمر كذلك. لنفترض للحظة أن الاتهام صحيح وأن روجرز وزوجته قتلا تلك السيدة، فماذا بعد؟ لقد غمرهما إحساس بالسلام والطمأنينة و... قاطعته فيرا وقالت بصوت خفيض : لا ، لا أظن أن السيدة روجرز شعرت بالأمان قط.

بدا بلور منزعجاً بعض الشيء لمقاطعته ولمحها بنظرة كمن يقول: أنتنّ النساء ! ثم استأنف حديثه قائلا : هذه احتمالات على أيّ حال. لم يكونا يعرفان أن الخطر يحيط بهما، ثم جاء يوم أمس وخرج ذلك الصوت الأحمق وكشف الأمر، فماذا حدث ؟ انهارت المرأة وتحطمت. هل لاحظتم كيف كان زوجها يخفيها عن أعيننا عندما بدأت تفيق من إغماءتها؟ لم يكُن ذلك كله قلقاً على زوجته، بالتأكيد لا ، بل كان مرعوباً حتى الموت مما يمكن أن تقوله زوجته.

ثم أخذ نفساً عميقاً وعاد يقول: دعوني أشرح الوضع لكم: لقد ارتكبا جريمة ولم يُكشف أمرهما، ولكن إذا كان سيتمّ نبش المسألة من جديد فماذا سيحدث؟ الاحتمال الأغلب بنسبة عشرة إلى واحد أن المرأة ستنهار وتعترف؛ فهي لا تملك الأعصاب التي تجعلها تتصدى للتهمة بقوة، أيّ أنها قنبلة موقوتة بالنسبة لزوجها. نعم، هي كذلك، أمّا زوجها فليس لديه مشكلة؛ فبوسعه الكذب بوجه جامد حتى يوم القيامة، ولكنه لا يستطيع الاطمئنان إليها لأنها إذا انهارت فستكون حياته في خطر. لهذا يدسّ لها شيئاً في كوب الشاي، وبذلك يضمن إغلاق فمها إلى الأبد.

قال آرمسترونغ ببطء: لم يكُن إلى جانب سريرها قدح فارغ، لم يكُن هناك شيء على الإطلاق، لقد نظرت بنفسي.

فقال بلور ساخر اً: بالطبع لم يكُن هناك شيء. أول ما هو متوَّقع منه أن يقوم به بعد أن شربَت ما في القدح هو أن يأخذه مع صحته ويغسله جيّد اً.

ساد الصمت هنيهة ثم قال الجنرال ماك آرثر مشكك اً: قد يكون الأمر كذلك، ولكن من الصعب عليّ أن أصدق أن رجلاً قد يفعل شيئاً كهذا لزوجته.

فأطلق بلور ضحكة قصيرة وقال: عندما تكون حياة رجل في خطر فهو لا يتوقف كثيراً للتفكير في العواطف.

ثم حلّ الصمت فترة أخرى، وقبل أن يستأنف أحد الحديث فُتح الباب ودخل روجرز وقال وهو ينقل بصره بينهم: هل يمكنني تقديم شيء آخر لكم؟

فتحرك القاضي وارغريف قليلاً في كرسيه وسأله: متى يأتي ذلك القارب البخاري عادة؟

- بين السابعة والثامنة يا سيدي، وأحياناً بعد الثامنة بقليل.

لا أعرف ما الذي أخّر فريد ناراكوت هذا الصباح! لو كان مريضاً لأرسل أخاه.

فسأله فيليب لومبارد: كم الساعة الآن؟

- العاشرة إلاَ عشر دقائق يا سيدي.

فارتفع حاجبا لومبارد وهزّ رأسه متأملاً، وانتظر روجرز دقيقة أو اثنتين، ثم تكلم الجنرال ماك آرثر فجأة وباندفاع فقال: أنا آسف لسماع هذه الأخبار عن زوجتك يا روجرز، كان الدكتور يخبرنا بذلك للتوّ .

فأطرق روجرز برأسه وقال: شكراً لك يا سيدي.

ثم أخذ الطبق الفارغ وخرج، وحلّ الصمت مرة أخرى.

-3-

في الشرفة الخارجية قال فيليب لومبارد: بخصوص هذا القارب البخاري... فنظر إليه بلور وهز رأسه قائلا : أعرف في أي شيء تفكر يا سيد لومبارد. لقد وجهّت لنفسي السؤال ذاته، ذلك القارب كان يجب أن يكون هنا قبل ساعتين تقريباً ولكنه لم يصل، فلماذا ؟

فقال لومبارد: وهل عرفتك الجواب؟

- ليست هذه مصادفة، هذا ما أقوله. إنه جزء من الموضوع بكامله، الأحداث كلها يرتبط بعضها ببعض.

- إذن أنت لا تعتقد أنه سيأتي.

وجاء من خلفه صوت نزِق نافد الصبر يقول: القارب لن يأتي.

فاستدار بلور بكتفيه العريضتين ونظر إلى المتحدث الأخير متأملاً ثم قال: أتظن ذلك يا جنرال؟

فقال الجنرال ماك آرثر بحدّة: طبعاً لن يأتي. نحن نعتمد على أن يأتي القارب ويأخذنا من الجزيرة، هذه هي النقطة الأساسية، ولكننا لن نغادر هذه الجزيرة، لن يغادرها أيّ منّا أبد اً. هذه هي النهاية، هل تدرك ذلك؟ نهاية كل شيء.

وتردّد قليلاً ثم قال بصوت منخفض غريب: هذا هو السلام، السلام الحقيقي؛ أن تصل إلى النهاية ، أن لا يكون عليك الاستمرار. نعم ، السلام.

ثم استدار فجأة وانصرف عابراً الشرفة، ثم انحدر باتجاه البحر ومشى حتى نهاية الجزيرة إلى حيث تناثرت أحجار متفرقة على أطراف الماء ، ومشى مختلّ التوازن قليلاً كما لو كان نصف نائم فقال بلور: ها هو شخص طيّب آخر يفقد عقله. يبدو أننا سننتهي جميعنا كذلك.

فقال فيليب لومبارد: لا أظن انك ستفقد عقلك يا بلور.

فضحك المفتش السابق وقال: " لن يكون ذلك سهلا ". ثم أضاف جاد اً: ولا أظن أن هذا سيحدث لك أنت أيضاً يا سيد لومبارد.

فقال فيليب لومبارد: أشعر أنني بكامل قواي العقلية حتى الآن، شكراً لك.

-5-

خرج الدكتور آرمسترونغ إلى الشرفة ووقف هناك متردد اً. كان عن يساره كلّ من بلور ولومبارد، وعن يمينه القاضي وارغريف يذرع المكان جيئة وذهاباً حانياً رأسه. وبعد فترة ترددّ استدرار آرمسترونغ باتجاه وارغريف، ولكن روجرز جاء في تلك اللحظة خارجاً من البيت بسرعة وقال له: هل أستطيع أن أكلمك على انفراد يا سيدي؟

فتحول آرمسترونغ إليه وقد جفل حين رآه. كان وجه روجرز في غاية الاضطراب وقد تحول لونه إلى أخضر رمادي وكانت يداه ترتجفان، بدا متناقضاً مع حالة تماسكه قبل دقائق قليلة مما أدهش آرمسترونغ تمام اً. وقال روجرز: أرجوك يا سيدي، أريد أن أكلمك على انفراد في الداخل.

استدار الدكتور عائداً داخل البيت مع الخادم المضطرب وقال : ما الأمر يا رجل؟! تماسك وكن رابط الجأش.

- هنا يا سيدي ، تفضل هنا.

وفتح باب غرفة الطعام فدخل الطبيب وتبعه روجرز وأغلق الباب خلفه، وقال آرمسترونغ : حسناً ، ما الأمر؟

كانت عضلات حنجرة روجرز تتحرك في حين كان يبلع ريقه هلعاً، ثم انتفض وهو يقول: تجري هنا أشياء لا أستطيع فهمها يا سيدي!

فقال آرمسترونغ بحدّة: أشياء! أية أشياء؟

- ستظنني مجنوناً يا سيدي، ستقول إنها أمور سخيفة. ولكن يجب تفسير هذه الأشياء، يجب تفسيرها- يا سيدي- لأنها غير معقولة أبد اً.

- حسناً أيها الرجل، ما هذه الأشياء؟ لا تواصل الحديث بالألغاز.

فبلع روجرز ريقه ثانية وقال: تلك التماثيل الصغيرة يا سيدي! تلك التماثيل الموضوعة وسط الطاولة، عشرة تماثيل، كان هناك عشرة منها، أقسم أنه كان هناك عشرة منها.

فقال آرمسترونغ: أجل ، عشرة؛ لقد أحصيناها الليلة الماضية عندما كنّا على العشاء.

فاقترب روجرز وقال: هذه هي المسألة يا سيدي. الليلة الماضية عندما كنت أنظف غرفة الطعام كان هناك تسعة يا سيدي! لقد انتبهت إليها وفكّرت بأنه أمر غريب، ولكن هذا كل ما خطر لي وقتها، والآن يا سيدي، هذا الصباح لم أنتبه إليها عند إعداد المائدة للإفطار ؛ كنت حزيناً مهموماً فلم أنتبه، أما الآن – يا سيدي – عندما أتيت لإعادة ترتيب المكان... انظر بنفسك إن لم تكُن تصدقني، يوجّد فقط ثمانية يا سيدي، ثمانية فقط! هذا غير معقول يا سيدي، هل هذا معقول ! ثمانية فقط.

-1-

بعد الإفطار اقترحَت إميلي برنت على فيرا كلايثورن أن يتمشيا معاً إلى القمة مرة أخرى وينتظرا القارب البخاري هناك ، فوافقتها فيرا على ذلك. كانت الريح قد نشطت وظهرت على سطح البحر أمواج صغيرة متتالية يعلوها الزبد. لم تكُن في البحر أيّ قوارب صيد، ولم يظهر أيّ أثر لذلك القارب البخاري المرتقّب.

لم يكن بالإمكان فعلياً رؤية قرية ستيكلهيفن ، بل فقط التّلة الواقعة فوقها، مقطع ناتئ من الصخور الحمراء يخفي خلفه الخليج الصغير.

قالت إميلي برنت: الرجل الذي أحضرنا أمس إلى هنا كان يبدو من ذلك النوع الجدير بالثقة. غريب حقّاً أن يتأخر اليوم إلى هذا الحد!

لم تردّ فيرا، فقد كانت تقاوم في أعماقها شعوراً متصاعداً بالفزع، وقالت تخاطب نفسها بغضب: " يجب أن تحافظي على هدوئك . أنت لست طبيعية! لقد كانت أعصابك هادئة دائماً " . ثم قالت بصوت عا ل بعد دقيقة أو اثنتين : أتمنّى لو يأتي، كم أود أن أغادر هذا المكان.

فقالت إميلي برنت بجفاء: لا شكّ لديّ في أننا جميعاً نريد ذلك.

قالت فيرا: المسألة كلها غير طبيعية، تبدو... تبدو دون معنى على الإطلاق!

فقالت العانس العجوز بسرعة: أنا غاضبة من نفسي لانخداعي بهذه السهولة. كم تبدو لي تلك الرسالة سخيفة عندما أعود إلى التفكير بها! ولكن لم تكُن لديّ أية شكوك وقتها، لم تكُن لديّ شكوك أبد اً.

غمغمت فيرا بلا تفكير: أظن أنه لم تكُن لديّ أية شكوك قط.

فقالت إميلي برنت: كثيراً ما نستخفّ بالأمور ونأخذها دون تمحيص.

وأخذت فيراً نفساً عميقاً مرتجفاً وقالت: هل أنت مقتنعة حقاً بما قلته على الإفطار؟

- كوني أكثر دقة يا عزيزتي ، إلامَ تشيرين بالضبط؟

فقالت فيرا بصوت منخفض: هل تعتقدين حقّاً أن روجرز وزوجته قتلا تلك السيدة العجوز؟

نظرت إميلي برنت بتأمّل إلى البحر وقالت : أنا شخصياً متأكدة من ذلك تمام اً. ماذا تظنين أنت؟

- لا أعرف ماذا أظن.

فقالت إميلي برنت: كل الأشياء تؤكد الفكرة : الطريقة التي أُغمي بها على المرأة، وإسقاط الرجل لصينية القهوة إن كنت تذكرين، ثم إن الطريقة التي تحدّث بها عن الموضوع لم تكُن صادقة. نعم، يبدو لي أنهما فعلاها.

وقالت فيرا: أذكر كيف بدت مرعوبة من خيالها. أنا لم أرَ امرأة في حياتي خائفة بهذا الشكل! لا بدّ أن تلك الحادثة كانت مسيطرة على عقلها دائما ً.

غمغمت الآنسة برنت: أتذكّر حكمة كانت معلَّقة في غرفتي وأنا طفلة: " سوف تلاحقك خطيئتك دائم اً" . هذا صحيح، بالفعل ، خطيئتك ستلاحقك دائمً.

انتفضت فيرا فجأة وقالت: ولكن يا آنسة برنت في هذه الحالة...

ماذا يا عزيزتي ؟

- ماذا عن الآخرين؟

- لا أفهمك تماماً.

- كل الاتهامات الأخرى؟ هل تكون صحيحة؟ إذا صحت في حالة روجرز...

ثم توقفت غير قادرة على توضيح فكرتها المشوَّشة، وانفردت قسمات وجه إميلي برنت بعد أن كانت مقطّبة جبينها في حيرة وقالت: آه، الآن فهمتك. حسناً، لدينا السيد لومبارد، إنه يعترف بأنه تخلّى عن عشرين رجلاً وتركهم يموتون.

فقالت فيرا: كانوا مجرَّد وطنيين.

فردّت إميلي برنت بحدّة: بيضاً كانوا أو سوداً، كلهم إخوة لنا في الإنسانية.

فقالت فيرا في نفسها بسخرية: إخوتنا السود؟ سيغلبني الضحك! أنا في حالة هستيرية، أنا لست نفسي!

وتابعت إميلي برنت وهي مستغرقة في التفكير: بعض التهم الأخرى كانت بعيدة الاحتمال وسخيفة بالطبع. تلك التهمة مثلاً ضدّ القاضي الذي كان يقوم بواجبه بحكم وظيفته العامه، والمحقق السابق في شرطة سكوتلانديارد، وقضيتي أنا أيض اً.

وتوقفت قليلاً ثم تابعت: طبعاً، وإذا أخذنا الظروف بعين الاعتبار فلم يكُن ممكناً لي أن أقول شيئاً مساء أمس، لم يكُن موضوعاً ملائماً للبحث أمام الرجال.

راحت فيرا تنصت باهتمام وسألت: لِمَ لا؟

فتابعت الآنسة برنت بهدوء: كانت بياتريس تايلور خادمة عندي. لم تكُن فتاة فاضلة، وذلك ما اكتشفتُه بعد فوات الأوان. كنتُ مخدوعة بها كثيراً، فقد كانت حسنة الطباع وكانت دائماً نظيفة ومطيعة، وكنت سعيدة جداً بها. بالطبع تبيّن أن ذلك كله كان مجرَّد نفاق؛ فقد كانت فتاة عابثة عديمة الأخلاق، وكان هذا أمراً يدعو إلى الإحباط. وقد مرّ وقت طويل قبل أن أكتشف أنها كانت في ورطة.

وتوقفت قليلاً وأنفها الرقيق يتلوى اشمئزازاً ثم تابعت: كان ذلك صدمة كبيرة لي، وبالإضافة إلى هذا فقد كان أهلها أناساً طيبين ربوّها تربية صارمة، ويسعدني أن أقول إنهم لم يغفروا لها سلوكها.

قالت فيرا وهي تحدق إلى الآنسة برنت: ماذا حدث؟

- طبعاً أنا لم أقبل بها ساعة واحدة في منزلي بعد ذلك؛ لن أسمح أن يقول أح د يوماً إنني قبلت بالرذيلة.

فقالت فيرا بصوت أكثر انخفاض اً: ماذا حدث لها؟

قالت الآنسة برنت: تلك المخلوقة المنبوذة لم تكتفِ بخطيئة واحدة تُقل ضميرها، بل ارتكبت خطيئة أش د ... قتلت نفسها.

همست فيرا وقد استب د بها الرعب: قتلت نفسها؟!

- نعم ، ألقت بنفسها في النهر.

شعرت فيرا برعدة تسري في جسدها، ونظرت إلى وجه الآنسة برنت الهادئ ثم قالت: كيف شعرتِ عندما علمتِ بذلك؟ هل شعرتِ بالأسف؟ ألم تلومي نفسك؟

عدلّت إميلي برنت هيئتها وقالت: أنا؟! وما شأني لأوبّخ نفسي؟

قالت فيرا: ولكن ماذا إذا كان موقفك... عذراً، إذا كان موقفك الشديد قد دفعها إلى ذلك؟

فقالت إميلي برنت بحدّة: ذلك لأن تصرفها... أعني أنها كانت خطيئتها هي؛ كان ذلك هو ما دفعها إلى الموت. لو كانت تصرفت كامرأة محترَمة طيّبة لما حدث أيّ شيء من هذا القبيل.

ثم التفتت بوجهها إلى فيرا. لم يظهر أيّ إحساس بالذنب أو القلق في عينيها ، بل كانت عيناها قاسيتين تشعّان بالفضيلة. كانت إميلي برنت تجلس على قمة جزيرة الزنوج مغلَّفة بدرع من الفضيلة صنعته لنفسها. لم تعُد العانس العجوز في نظر فيرا مجرَّد امرأة سخيفة بعض الشيء، لقد أصبحت – فجأة – امرأة مخيفة!

-2-

خرج الدكتور آرمسترونغ من غرفة الطعام ثم دلف إلى الشرفة مرة أخرى. كان القاضي يجلس وقتها على كرسي ينظر إلى البحر بهدوء، وإلى اليسار كان لومبارد وبلور يدخّنان بصمت. تردد الطبيب لحظة كعادته ثم أخذ ينظر إلى القاضي متأملا . أراد تبادل الرأي مع شخص ما، وكان يعلم أن القاضي ذو ذهن منطقي حادّ ولكنه – مع ذلك – تردد ؛ فالقاضي وارغريف قد يكون ذا عقل راجح ولكنه رجل عجوز، وقد شعر آرمسترونغ أنه بحاجة إلى رجل عملي في تلك اللحظة، فحسم أمره وقال: لومبارد، هل أستطيع التحدث معك لحظة؟

فردّ فيليب: طبعاً.

غادر الرجلان الشرفة ونزلا المنحدَر باتجاه البحر، وعندما أصبحا خارج مدى السمع قال آرمسترونغ: أحتاج إلى مشورتك.

فارتفع حاجبا لومبارد وقال: صديقي العزيز: أنا لا أفهم في الطبّ .

- لا ، بل أعني حول ذلك الوضع الحالي.

- آه، هذا أمر مختلف.

قال آرمسترونغ: أخبرني بصراحة، ما رأيك بالموقف؟

تأمّل لومبارد لحظة ثم قال: الأمر يدعو إلى التفكّر، أليس كذلك؟

- ما رأيك بموضوع تلك المرأة؟ هل تقبل بنظرية بلور عنها؟

قال لومبارد: إنها نظرية معقولة تماماً، ولكن إذا أُخذت منفردة فقط.

- بالضبط.

لم يكن فيليب لومبارد غبياً، ودلته نبرة صوت آرمسترونغ على ارتياحه. وتابع لومبارد. هذا إذا قبلنا بفرضية أن السيد والسيدة روجرز قد ألفحا في ارتكاب جريمتهما دون أن ينكشف أمرهما حينها، وأنا لا أرى سبباً كان يمكن أن يمنعهما من ذلك. ماذا تعتقد أنهما فعلا بالضبط ؟ هل دسّا السم للمرأة العجوز؟

فقال آرمسترونغ ببطء: قد تكون المسألة أكثر بساطة. لقد سألت روجرز هذا الصباح عن طبيعة الحالة التي عانت منها تلك المرأة، الآنسة برادي، وكان جوابه مفيداً لي. لست بحاجة إلى الدخول في تفصيلات طبيّة ولكن توجد حالات معيَّنة من أمراض القلب تُستخدَم فيها النيترات، فعندما تأتي النوبة تُكسر كبسولة نيترات وتوضع تحف أنف المريض لاستنشاقها. وإذا لم يتمّ ذلك، أي إذا مُنعت النيترات عن المريض، فمن السهل حدوث الوفاة.

قال لومبارد وهو مستغرق في التفكير: بهذه البساطة؟ لا بدّ أن ذلك كان مغرياً إلى حد ما.

فأومأ الطبيب موافقاً وقال: أجل، لا حاجة للقيام بعمل مباشر ولا ضرورة للحصول على زرنيخ لاستخدامه .... بل فقط تصرّف سلبي ، امتناع عن التصرف. ثم ذهب روجرز في الليل لإحضار طبيب، وشعر كلاهما بثقة أنه لا يمكن لأحد أن يعرف الحقيقة.

وأضاف لومبارد: وحتى لو عرف أح د فلا يوجد ما يمكن إثباته ضدّهما.

ثم قطّب فجأة وقال: طبعاً هذا يفسّر الكثير.

وقال آرمسترونغ مستفسر اً: عفواً ، ماذا تعني؟

فقال لومبارد: أعني أنه يفسّر مسألة الجزيرة هذه. توجد جرائم لا يمكن إسنادها إلى مرتكبيها؛ قضية آل روجرز مثلاً، ومثال آخر هو القاضي وارغريف الذي ارتكب جريمته وهو ملتزم بالقانون تمام اً.

قال آرمسترونغ بحدّة: هل تصدّق تلك القصة؟

فابتسم فيليب لومبارد وقال: طبعاً أصدّقها؛ وارغريف قتل إدوراد سيتون بلا شك، قتله كما لو كان غرس خنجراً في جسده، ولكنه كان ذكياً بما فيه الكفاية ليفعل ذلك وهو على مقعد القاضي بردائه وشعره المستعار، وهكذا فليس بوسعك إلصاق جريمته الصغيرة به بالطرق المعتادة.

ومضت صورة مفاجئة كالبرق في خيال آرمسترونغ : جريمة في المستشفى ، جريمة على طاولة العمليات.... بكل أمان، نعم ، بكل ، أمان كما لو كنتَ في منزلك!

كان فيليب لومبارد يقول: هذا يفسّر السيد أوين ويفسّر " جزيرة الجنود " أيضاً.

تنفس آرمسترونغ بعمق وقال: ها نحن نصل إلى جوهر المسألة: ما الهدف الحقيقي من جمعنا هنا؟

فقال فيليب لومبارد : ماذا تظن؟

اعترض آرمسترونغ بشكل مفاجئ وقال : لنعُد قليلاً إلى وفاة المرأة. ما هي النظريات المحتمَلة؟ الاحتمال الأول أن روجرز قتلها لأنه كان يخشى أن تكشف أمره، والاحتمال الثاني أنها فقدت أعصابها فسلكت طريقاً سهلاً بإنهاء حياتها.

قال لومبارد: انتحار؟

- ما رأيك في ذلك؟

- ربما كان ممكناً لولا مسألة موت مارستون. حالتا انتحار خلال اثنتَي عشرة ساعة أمر يصعب تصديقه! هل تريد أن تقول لي إن أنتوني مارستون، وهو شابّ قوي عديم الإحساس ولديه قليل من رجاحة العقل، قد استبدّ به الخوف فجأة لأنه دعس طفَلين ذات يوم فوضع حدّاً لحياته عن سابق قصد وتصميم؟! حسناً، إنها فكرة مضحكة. ثم كيف حصل على السم على أيّ حال؟ سيانيد البوتاسيوم ليس

نوعاً من المواد التي قد تحملها في جيبك حسب معلوماتي، لكن هذا ما تعتقده أنت. قال آرمسترونغ: لا يحمل إنسان عاقل سيانيد البوتاسيوم معه. قد يفعل ذلك رجل ينوي تدمير عش دبابير مثلا

.

- قد يكون مزارعاً مثلاً، ولكن ليس أنتوني مارستون! يبدو لي أن مسألة السيانيد هذه تحتاج إلى بعض التفسير، فإمّا أنّ أنتوني مارستون كان ينوي الانتحار قبل قدومه إلى هنا فجاء مستعدّاً، أو... ولم يكمل جملته فاستحثه آرمسترونغ قائلا : أو ماذا؟

فابتسم لومبارد وقال: لماذا تريدني أن أقولها وهي على طرف لسانك؟ أنتوني مارستون قُتِلَ بالطبع.

أخذ الدكتور آرمسترونغ نفساً عميقاً وقال: وماذا عن السيدة روجرز؟

فقال لومبارد ببطء: كان يمكن لي أن أصدّق بصعوبة انتحار أنتوني لولا موضوع السيدة روجرز، وكان يمكن لي بسهولة أن أصدق انتحار السيدة روجرز لولا قضية أنتوني مارستون. أستطيع تصديق فكرة أن روجرز قتل زوجته لولا الوفاة غير المتوقعة لأنتوني مارستون ، ولكن ما نحتاجه هو نظرية تفسّر لنا حالتَي وفاة تُبِعَت إحداهما الأخرى بهذه السرعة.

قال آرمسترونغ : قد أستطيع مساعدتك في هذه النظرية.

وأعاد على سمعه الحقائق التي قدّمها له روجرز عن اختفاء التماثيل الخزفية ، فقال لومبارد : أجل ، التماثيل الخزفية لجنود صغار. كان يوجد عشرة منها مساء أمس عند العشاء بالتأكيد، والآن تقول إنه يوجد ثمانية فقط ؟!

فردّد الدكتور آرمسترونغ الأنشودة قائلا :

عشرة جنود صغار خرجوا للعشاء

أحدهم شَرِق فمات فبقي تسعة

تسعة جنود صغار سهروا حتى ساعة متأخرة

أحدهم أخذه النوم فبقي ثمانية

تبادل الرجلان نظرات غريبة، وتجهّم وجه لومبارد وقال: تطابق تامّ يتجاوز اعتبارها صدفة! أنتوني مارستون يموت من الاختناق أو الشَّرْقة ليلة أمس بعد العشاء، والسيدة روجرز استغرقت في النوم إلى الأبد.

قال آرمسترونغ: ماذا إذن؟

فردّ عليه لومبارد: إذن يوجد " جندي " من نوع آخر، جندي مختبئ في كومة حطب! السيد " س " السيد أوين... مجنون مطلَق السراح.

فاطلق آرمسترونغ تنهيدة ارتياح وقال: آه، أنت توافقني. ولكن لاحظ ماذا يعني ذلك: لقد أقسم روجرز إنه لا يوجد سوانا بالإضافة له ولزوجته على الجزيرة.

- روجرز على خطأ أو لعله كان يكذب.

هزّ آرمسترونغ رأسه وقال: لا أظن انه يكذب ، بل هو خائف ، خائف لدرجة يكاد يفقد معها رشده.

فأومأ فيليب لومبارد إيجاباً وقال: القارب البخاري لم يصل هذا الصباح، وهذا تدبير يتفق مع النظرية. ترتيبات مسبَقة من قِ بل السيد أوين، عزل الجزيرة حتى ينتهي من مهمّته.

شحب وجه آرمسترونغ وقال: يا إلهي لا بدّ أن الرجل مجنون!

فقال فيليب لومبارد بصوت فيه نبرة جديّة: أمر واحد لم يدركه السيد أوين.

- ما هو؟

- هذه الجزيرة ليست إلاَ صخرة محدودة المساحة نستطيع تفتيشها بقليل من الجهد، وعندئذ ستعثر على السيد المحترم أوين وبسرعة.

فقال الطبيب باهتمام : لا بدّ أنه سيكون خطير اً.

فضحك لومبارد وقال: خطيراً؟ من يخشى ذلك الذئب السيّئ؟ سأكون أنا الخطير عندما ألقي القبض عليه.

وتوقف لحظة ثم قال: من الأفضل أن نضمّ إلينا بلور لمساعدتنا؛ فسوف يكون مفيد اً لنا عند الحاجة. ومن الأفضل أن لا نخبر النساء، أمّا الآخران فالجنرال شيخ مخرف – فيما أظن – والعجوز وارغريف يتّصف بالكسل الشديد.

أعتقد أن ثلاثتنا قادرون القيام بالمهمة.__

-1-

انضمّ بلور إليهما بسهولة، وقد أبدى موافقة فورية على نظريتهما فقال: إن ما تقولانه عن هذه التماثيل الخزفية يجعل الأمر مختلفاً تمام اً. إنه جنون! ولكن يوجد شيء واحد فقط: ألم يخطر لك أن أوين ربما كان ينوي تنفيذ فكرته بتوكيل شخص آخر للقيام بذلك؟

- أوضِحْ فكرتك يا رجل.

- حسناً، أعني أنه بعد الضجة التي حدثت مساء أمس انفعل هذا الشاب مارستون وسممّ نفسه، وروجرز اهتاج أيضاً فقتل زوجته ، وكل ذلك طبقاً لخطة أوين.

فهزّ آرمسترونغ رأسه وأعاد تأكيد النقطة المتعلقة بالسيانيد، ووافقه بلور، فقال: أجل، لقد نسيت ذلك، السيانيد ليس مادة يمكنك أن تحملها معك عادة ، ولكن كيف دخلَت كأسه يا ترى؟

فقال لومبارد: لقد فكّرت في ذلك. مارستون تناول عدّة كؤوس من الشراب في تلك الليلة، وكان بين الوقت الذي تناول فيه الكأس الأخيرة والوقت الذي أنهى فيه الكأس التي سبقتها فجوة وقتية، وخلال هذه الفجوة كانت كأسه موضوعة على إحدى الطاولات، وأعتقد أن كأسه كانت على الطاولة الصغيرة قرب النافذة، وكانت النافذة مفتوحة وبوسع شخص ما أن يدسّ جرعة من السيانيد في الكأس.

قال بلور بعدم تصديق: دون أن يراه أيّ منّا؟!

فقال لومبارد باقتضاب : كنّا جميعاً معنيّين بشيء آخر إلى حد ما.

قال آرمسترونغ ببطء: هذا صحيح، لقد أخذنا بغتة. كنّا نتحرك وندور في الغرفة نتجادل ساخطين منشغلين كلّ في شأنه، وأعتقد أنه كان بالإمكان فعل ذلك.

هزّ بلور كتفيه وقال: لعل الأمر حدث على هذا النحو. حسناً أيها السادة، هل يوجد أيّ احتمال بوجود مسدَّس مع أي منكم؟ أحسب أن هذا مطلب عسير.

فقال لومبارد وهو يربت على جيبه: أنا أحمل مسدس اً.

فاتسعت عينا بلور كثيراً وقال بلهجة ودودة للغاية: هل تحمله معك دائماً؟

قال لومبارد: كثيراً ما أجد نفسي في أماكن خطيرة.

قال بلور: حقاً؟!

ثم أضاف منفعلا : لعلك لم تكُن يوماً في مكان أخطر من هذا! إذا كان في هذه الجزيرة مخبول يختبئ فالأغلب أ، لديه ترسانة صغيرة من الأسلحة، ناهيك عن سكين أو خنجر مثلا .

فسعل آرمسترونغ وقال: قد تكون على خطأ في هذه النقطة يا بلور؛ فكثير من المجرمين المعتوهين يبدون في غاية التواضع وتشعر بالارتياح معهم.

فقال بلور: لا أظن أن صاحبنا سيكون من هذا النوع يا دكتور آرمسترونغ.

-2-

خرج الرجال الثلاثة وبدؤوا جولتهم حول الجزيرة، فتبيّن لهم أن الأمر كان أبسط ممّا كان متوقَّعاً؛ فعلى الجهة الشمالية الغربية المطّلّة على الشاطئ كانت التلال الصخرية تنحدر عمودياً حتى البحر بشكل منتظم، ولم يكُن في بقاء أنحاء الجزيرة الكثير من الأشجار أو مما يكسو الأرض.

بدأ الرجال الثلاثة العمل بعناية وبشكل منهجي، فبدؤوا يمشّطون المنطقة من أعلى نقطة إلى أطراف الماء متفحصين بدقّة أيّ شيء غريب قد يظهر على سطح الصخرة ويشير إلى مدخل كهف أو تجويف، ولكن لم تكُن هناك أية كهوف. ووصلوا أخيراً إلى أطراف الماء في المنطقة التي كان يجلس فيها الجنرال ماك آرثر ينظر إلى البحر، وكان الجو هادئاً تماماً والأمواج تتحطم برفق فوق الصخور، وكان العجوز يجلس منتصباً وعيناه سارحتان في الأفق.

لم يُظهر العجوز أي اهتمام بمجموعة البحث عند اقترابها، وقد جعلت غفلتُه هذه أحدَ الرجال على الأقل يشعر بعدم الارتياح، فقال بلور لنفسه: هذا الأمر غير طبيعي! يبدو وكأنه في غفوة أو شيء من هذا القبيل.

ثم تنحنح وقال بلهجة تستدرج الحديث: إنها بقعة لطيفة وجدتَها لنفسك يا سيدي.

فقطّب الجنرال وألقى نظرة سريعة من فوق كتفه وقال: لم يعُد لديّ سوى القليل من الوقت، القليل من الوقت؛ أودّ أن أؤكّد على عدم إزعاجي.

قال بلور برقّة: لا نريد أن نزعجك، نحن فقط نقوم بجولة في الجزيرة إذا صحّ التعبير، نحاول أن نتبّين ما إذا كان أحد يختبئ فيها.

فقطّب الجنرال ثانية وقال: أنت لا تفهم، أنت لا تفهم أبد اً. انصرف من هنا أرجوك.

فتراجع بلور وقال حين انضمّ للآخرَين: هذا الرجل مجنون!

لا فائدة من التحدث معه.

سأله لومبارد ببعض الفضول: ماذا قال؟

فهزّ بلور كتفيه وقال: لقد تحدث عن عدم وجود وقت لديه وقال إنه لا يريد أن يزعجه أحد.

قطّب الدكتور آرمسترونغ حاجبيه وغمغم: ترى ماذا يعني هذا؟!

-3-

انتهى البحث في الجزيرة ، ووقف الرجال الثلاثة على أعلى نقطة في الجزيرة ينظرون باتجاه الساحل، لم يروا أيّ قوارب، وكانت الريح قد أخذت تنشط.

قال لومبارد: لا توجد قوارب صيد في البحر وثمة عاصفة قادمة. أمر مزعج للغاية أن لا نستطيع رؤية القرية من هنا. ربما كان بإمكاننا إرسالة إشارة أو شيء من هذا القبيل.

قال بلور : قد نستطيع أن نشعل ناراً الليلة.

فقال لومبارد مقطّباً: المصيبة هي أن الحكاية معَدّة بإحكام مسبّقاً على الأرجح.

- وكيف ذلك يا سيدي؟

- كيف لي أن أعرف؟ ربما كانت دعابة ثقيلة... يُلقى بنا هنا ويُطلب من أهل القرية عدم الانتباه لأيّ إشارة تصدر عنّا... ربما كان أهل القرية قد بُلغّوا بأن رهاناً يجري هنا، أو أيّ قصة سخيفة من هذا القبيل.

فقال بلور بتشكك: هل تعتقد أنهم سيقتنعون بذلك؟

قال لومبارد بجفاء: هذا أسهل للتصديق مقارنة بالحقيقة. إذا قال لها: آه هذا أنت ؟ جلست فيرا إلى جانبه وقالت : هل تحب الجلوس هنا والنظر إلى البحر؟

فأومأ برأسه برفق وقال: نعم، إنه مكان لطيف، مكان جيّد ، وأظنه مكاناً جيّداً للانتظار.

فقال فيرا بحدّة: انتظار؟ ماذا تنتظر؟!

فقال بلطف: النهاية. ولكن أحسب أنك تعلمين، أليس كذلك؟ هذه هي الحقيقة، نحن جميعاً ننتظر النهاية.

قالت باضطراب: ماذا تعني؟

فقال الجنرال ماك آرثر بوقار: لن يغادر الجزيرة أحد منّا؛ هذه هي الخطة، وأنت تعرفين ذلك جيداً بالطبع، ولكن الذي قد لا تستطيعين فهمه هو الخلاص.

فتساءلت فيرا بحيرة: الخلاص؟!

فقال: طبعاً، أنت صغيرة ولم تصلي إلى الإحساس بهذا بعد، ولكنه سيأتي. الخلاص المبارَك عندما تعرفين أنك انتهيت من كل شيء، أنه لن يكون عليك أن تحملي العبء لمدة أطول. ستشعرين بهذا أيضاً يوماً ما.

فقالت فيرا بصوت أجش: أنا لا أفهمك.

وأخذت أصابعها تتحرك بتشنّج ، وشعرت فجأة بالخوف من هذا الجندي الهادئ العجوز الذي قال وقد استغرق في التفكير: أقول لك إنني أحببت ليزلي، أحببتها كثير اً.

فسألت فيرا مستفسرة: هل كانت ليزلي زوجتك؟

- نعم، زوجتي. لقد أحببتها وكنت فخوراً بها، كانت في غاية الجمال والمرح.

وصمت دقيقة أو اثنتين ثم قال: أجل، أحببت ليزلي، ولهذا فعلت ذلك.

فقالت فيرا: تعني...؟

وتوقفت عن الكلام فهزّ الجنرال ماك آرثر رأسه موافقاً وقال: لم يعُد الإنكار مفيداً الآن، ليس ونحن جميعاً على شفا الموت. لقد أرسلتُ ريتشموند إلى حتفه، وأعتقد أن ذلك يُعتبّر قتلاً على نحو ما. أمر غريب... جريمة ، وأنا الذي كنت دائماً ملتزماً بالقانون! ولكن الأمر لم يبدُ لي على هذا النحو وقتها. ولكنني لست نادماً، فهو يستحق ذلك تماماً. هذا ما فكرت به وقتها، ولكن فيما بعد...

قالت فيرا بصوت قا س : حسنا، ماذا فيما بعد؟

فهز رأسه بغموض وبدا حائراً متألماً وقال: لا أعرف، لا أعرف. صارت الأشياء مختلفة. لا أعرف إذا كانت ليزلي قد خمّنَت شيئاً، لا أظن ذلك، ولكن أقول لك إنني ما عدت أعلم عنها شيئاً بعد ذلك؛ لقد ذهبت بعيداً إلى حيث لا أستطيع الوصول إليها، ثم ماتت وغدوتُ وحيد اً.

قالت فيرا: وحيداً؟!

ورجّعَت الصخور صدى صوتها فقال الجنرال ماك آرثر: ستكونين سعيدة أيضاً عندما تأتي النهاية.

فنهضت فيرا وقالت بحدّة: لا أعرف ماذا تعني!

فقال: أنا أعرف يا طفلتي ، أنا أعرف.

- أنت لا تعرف شيئاً، لا تفهم شيئاً أبد اً.

فنظر الجنرال ماك آرثر إلى البحر ثانية وبدا أنه لا يحس بوجودها خلفه، ثم قال برقّة ونعومة بالغة: ليزلي!

-5-

عندما عاد بلور من البيت ومعه حبل يلفّه حول ذراعه وجد آرمسترونغ حيث تركه ينظر إلى الأسفل، إلى الأعماق، قال بلور بنفَس متقطع: أين السيد لومبارد؟

فقال آرمسترونغ بلامبالاة: لقد ذهب يجرّب إحدى نظرياته وسيعود بعد دقيقة. استمع إليّ يا بلور، أنا قلق.

- نحن جميعاً قلقون يا عزيزي.

فلوّح الدكتور بيده في الهواء بصبر نافد وقال: طبعاً، ولكن ذلك ليس ما أعنيه. أنا أفكر في الجنرال ماك آرثر.

- ماذا عنه؟

فقال آرمسترونغ بقسوة: نحن بصدد رجل مجنون، فما رأيك في مارك آرثر؟

فقال بلور متشكك اً: أتعني أن لديه نزعة للقتل؟

فقال آرمسترونغ بشيء من الشك: لا ينبغي لي أن أقول ذلك بأيّ حال، ولكن... أنا طبعاً لست متخصصاً في الأمراض العقلية ولم يسبق لي أن تحدثت معه باستضافة ، ولذلك لم يتسنَّ لي أن أدرسه من هذه الناحية.

قال بلور بشكّ أيض اً: عجوز خرِف! نعم، ولكن ليس بوسعي القول إن...

فقاطعه آرمسترونغ وهو يبذل جهداً خفيفاً كمن يستردّ رباطة جأشه وقال: ربما كنتَ على حق. اللعنة! لا بدّ من وجود أحد مختبئ في هذه الجزيرة. آه، ها هو لومبارد قادم.

وربطوا الحبل جيّداً وقال لومبارد: سأحاول جاهداً أن أقوم بالمهمّة بنفسي. راقبوا أيّ شدّ مفاجئ في الحبل.

وبعد دقيقة أو اثنتين وفيما كانا يقفان معاً يراقبان نزول لومبارد قال بلور: لومبارد يهبط بخفّة كالقط، أليس كذلك؟

كان في صوته شيء غريب فقال آرمسترونغ: يُخيَّل إلي أنه قد سبق له ممارسة التسلّق.

- ربما

حلّ الصمت هنيهة بينهما ثم قال المفتش السابق: إنه شخص من نوع غريب تمام اً! هل تعرف فيمّ أفكر؟

- فيمَ؟

- في أن حقيقته مخالفه لما يبدو عليه.

فقال آرمسترونغ بتشكّك: من أيّ ناحية؟

فزفر ثم قال: لا أعرف بالضبط، ولكني لا أثق به إطلاقاً.

قال آرمسترونغ: أظن أنه عاش حياة حافلة بالمغامرات.

فقال بلور: أراهن أن بعض مغامراته مما لا يستطيع البوح به.

وتوقّف قليلاً ثم تابع: هل يُحتمل أن تكون قد أحضرتَ معك مسدَّساً يا دكتور؟

فحدّق إليه آرمسترونغ وقال: أنا ؟ يا إلهي! بالطبع لا. لماذا ينبغي أن أحضر مسدَّساً؟!

فقال بلور: ولماذا يحمل السيد لومبارد واحداً؟

فقال آرمسترونغ متشكك اً: أظن أنها عادة.

زفر بلور زفرة قوية، وفجأة انشدّ الحبل فانشغلا لبضع لحظات، ثم ارتخى الحبل من جديد. قال بلور: توجد عادات وعادات... السيد لومبارد يأخذ معه مسدَّساً إلى أماكن خطيرة، وهذا معقول تمام اً. ويأخذ معه موقداً أو كيس نوم وكمية من المسحوق المضادّ للحشرات، وكل ذلك لا غبار عليه، ولكن العادة لا تجعله يحضر معه كل تلك الأشياء إلى هنا؛ فالناس لا يحملون مسدَّسات معهم إلى في كتب المغامرات والروايات في العادة.

هزّ الدكتور آرمسترونغ رأسه بحيرة، ثم انحنيا وأخذا يرقبان لومبارد وهو يهبط. كان بحثه شاملاً، وكان بوسعهما أن يريا أنه كان بحثاً دون جدوى. ثم تسلّق عائداً وصعد إلى حيث كانا، فمسح العرق عن فوق جبينه ثم قال: حسناً، لا مناص؛ لا يمكن أن يكون إلاَ في البيت.

-6-

تم تفتيش البيت بسهولة. فتّشوا – أولا - المباني الخارجية القليلة حوله، ثم حوّلوا انتباههم إلى المبنى الرئيسي نفسه. لم تبقَ هناك أيّ مساحة مخفيّة لم يفتّشوها، وكان كل شيء واضحاً وبسيطاً؛ فالبناء عصري خا ل من أيّ جزء خفيّ، فتّشوا الطابق الأرضي أولاً، وعندما صعدوا إلى الطابق الذي يحوي غرف النوم شاهدوا روجرز من خلال نافذة الدرَج يحمل صينية من كؤوس العصائر إلى الشرفة فقال فيليب لومبارد بمرح: كائن مدهش هذا الخادم الجيد! إنه يواصل عمله دون كلل أو ملل.

قال آرمسترونغ بإعجاب: كلمة حق يجبَ أن تُقال: روجرز خادم من الطراز الأول

.

فقال بلور: زوجته أيضاً كانت طاهية جيّدة؛ ذلك العشاء ليلة أمس كان ممَّيز اً.

ودخلوا غرفة النوم الأولى، وبعد خمس دقائق اجتمعوا على رأس الدرَج بعد أن لم يجدوا أحداً مختبئاً، ولم يكُن يوجد مكان يمكن أن يختبئ فيه أحد.

قال بلور: ثمة سلّم صغير هنا.

فقال الدكتور آرمسترونغ: إنه يؤدّي إلى غرف الخدم في الأعلى.

فقال بلور: لا بدّ من وجود مكان داخل المنزل لخزّانات الماء أو ما شابه ذلك، هذه أفضل أماكن للاختباء ولا يوجد غيرها.

وعندئ ذ، وفيما كانوا يقفون هناك، سمعوا صوتاً يصلهم من أعلى. كان صوت حركة أقدام خفيف فوقهم، سمعوا جميعهم الصوت فأمسك آرمسترونغ بذراع بلور، أمّا لومبارد فقد رفع إصبعه محذّراً وقال: هدوء، أنصتوا.

وجاء الصوت ثانية، شخص يتحرك بخفّة وحذر فوقهم. وهمس آرمسترونغ، هذا الصوت صادر من غرفة النوم، الغرفة التي توجد فيها جثة السيدة روجرز.

فردّ بلور هامساً : طبعاً ، هذا أفضل مكان للاختفاء يمكن أن يختاره؛ فلا أحد يتوقع أن يذهب هناك. والآن أرجو الهدوء قدر الإمكان.

زحفوا خلسة صاعدين الدرَج وتوقفوا ثانية خارج باب غرفة النوم كان داخل الغرفة شخص ما وصوت خرير خافت فهمس بلور: الآن. وفتح الباب بقوة مندفعاً للداخل يتبعه الرجلان الآخران و... ووقف الثلاثة مشدوهين؛ كان روجرز في الغرفة يحمل كومة من الملابس بين يديه!

-7-

كان بلور أول من استعاد رباطة جأشه فقال : نأسف يا روجرز؛ لقد سمعنا صوت حركة هنا وفكرناً ... حسن اً... وتوقف عن كلامه فقال روجرز: أنا آسف أيها السادة؛ كنت فقط أنقل أشيائي. أعتقد أنكم لا تمانعون إذا أخذت إحدى غرف الضيوف الخالية في الطابق الأوسط، أصغر غرفة.

كان يوجّه الحديث إلى آرمسترونغ الذي قال: لا نمانع بالطبع، تفضّل.

وتجنّب النظر إلى الجسد المغطّى بالملاءة على السرير، وقال روجرز: شكراً يا سيدي.

ثم خرج من الغرفة ويداه محمَّلتان بأمتعته ونزل الدرَج إلى الطابق الأوسط، وتحرّك آرمسترونغ إلى السرير فرفع الملاءة ونظر إلى الوجه الهادئ للمرأة الميتة. لم يكُن في وجهها خوف في تلك اللحظة بل كان وجهها خالياً من التعبيرات، فقال آرمسترونغ، أتمنّى لو كانت أدواتي معي هنا؛ أودّ معرفة نوع المادة التي تعاطتها.

ثم التفت إلى الرجلَين الآخرَين وقال: لننتهِ من هذه المهمّة لديّ أحساس بأننا لن نجد شيئ اً.

كان بلور يعالج غطاء فتحة مجا ر منخفضة وقال: ذلك الرجل يتحرك بسرعة، قبل دقيقة أو دقيقتين رأيناه في الحديقة ولم يسمعه أيّ منّا يصعد الدرَج.

قال لومبارد: أعتقد أن هذا هو ما جعلنا نعتقد أن شخصاً غريباً يتحرك هنا في هذه الغرفة.

واختفى بلور في تجويف مظلم فأخرج لومبارد من جيبه مصباحاً يدوياً وتبعه، وبعد خمس دقائق كان الرجال الثلاثة يقفون على رأس درَج علويّ ينظر بعضهم إلى بعض، وكانت ملابسهم متسّخة وقد علقت بها خيوط العناكب، وكانت وجوههم كالحة.

لم يكن على الجزيرة أحد سواهم هم الثمانية!

* * *

-1-

قال لومبارد ببطء: لقد كنّا مخطئين طوال الوقت، صنعنا كابوساً من الوهم والخيال لمجرَّد تصادف وقوع حادثّتي وفاة.

فقال آرمسترونغ بصوت خفيض: ولكن – مع ذلك – فما زالت النظرية قائمة بغضّ النظر عن كل شيء؛ فأنا طبيب وأعرف شيئاً عن حالات الانتحار، وأنتوني مارستون لم يكُن من النوع الذي يمكن أن ينتحر.

فقال لومبارد متشكك اً: ألا نستطيع الافتراض بأنه كان حادثاً؟

زفر بلور غير مقتنع وقال : هذه نوعيه عجيبة من الحوادث!

توقّف الحديث برهة ثم قال بلور : بخصوص تلك المرأة... وتوقف عن الحديث فسأله لومبارد: السيدة روجرز؟

- نعم ، ألا يحتمل بالنسبة لها أن موتها ربما كان حادثاً؟

فقال فيليب لومبارد: حادث اً! وكيف ذلك؟

بدا على بلور حرَج خفيف وأصبح وجهه المتورد أشدّ حمرة وقال بلا وعي تقريب اً: انظر يا عزيزي، لقد أعطيتَها أنت علاجاً مسكّناً، أليس كذلك؟

حدّق إليه الطبيب وقال: علاجاً مسكناً؟ ماذا تعني؟

- الليلة الماضية قلتَ إنك أعطيتها شيئاً يساعدها على النوم.

- آه، نعم؛ كان عقاراً مسكناً لا ضرر منه.

- ماذا كان بالضبط؟

- أعطيتُها جرعة خفيفة من التريونال، وهو مستحضَر لا ضرر منه أبد اً.

اشتدّت حمرة وجه بلور وقال: اعلم – يا سيدي – أنني لا أريد الحذلقة ، ولكن أريد أن أعرف إن كانت الجرعة زائدة.

فقال الدكتور آرمسترونغ بغضب: لا أفهم ماذا تعني.

فقال بلور: هذا ممكن، أليس كذلك؟ لعلّك ارتكبتَ خطأ فمثل هذه الأشياء تحدث أحيان اً.

قال آرمسترونغ بحدّة: لم أفعل شيئاً من هذا القبيل. إن فكرتك غير معقولة.

وتوقف لحظة ثم أضاف بنبرة باردة ولاذعة : أم لعلك تقترح أنني أعطيتها جرعة زائدة متعمداً؟

فقال فيليب لومبارد بسرعة: أرجو أن تنصتا إليّ : نحن لا نريد أن نفقد عقولنا. دعونا لا نبدأ بتراشق الاتهامات.

قال بلور فجأة: كل ما قلته أن الطبيب ربما ارتكب خطأ.

أرغم الدكتور آرمسترونغ نفسه على الابتسام وقال وهو يكشف عن أسنانه بابتسامة قاسية: الأطباء لا يملكون ترف ارتكاب أخطاء كهذه يا صديقي.

فقال بلور بتروِّ ولهجة ذات معنى: لم يكُن ذلك أول خطأ لك... إذا أخذنا بما قيل في ذلك التسجيل.

فشحب وجه آرمسترونغ وقال لومبارد بسرعة وغضب موجّهاً الحديث إلى بلور: ما الفكرة من أن تجعل نفسك عدائياً؟ نحن جميعاً في قارب واحد وعلينا أن نتضامن معاً، ماذا عن حكاية اليمين الكاذب اللطيفة الموجَّهة لك؟

فخطا بلور خطوة إلى الأمام وقد تكوّرَت قبضتا يديه وقال بصوت أجشَ : يمين كاذب ملعون! تلك كانت كذبة حقيرة.

بوسعك أن تحاول إسكاتي – يا سيد لومبارد – ولكن هنالك أشياء أريد أن أعرفها، وأحد هذه الأشياء عنك.

ارتفع حاجبا لومبارد وقال: عني؟

- نعم ، أودّ أن أعرف لماذا أحضرت معك مسدَّساً إلى هنا وأنت قادم في زيادة اجتماعية ودّية.

فقال لومبارد : تودّ أن تعرف، أليس كذلك؟

قال بلور: بلى، أريد أن أعرف يا سيد لومبارد.

فقال لومبارد بصورة غير متوقَّعة: أتعرف يا بلور؟ أنت لست معتوهاً كما تبدو.

- هذا جائز ، والآن ماذا عن المسدَّس؟

ابتسم لومبارد وقال: أحضرته لأنّي توقعت حدوث مشكلات.

فابتسم بلور متشككاً وقال: لم تُقل لنا ذلك ليلة أمس.

هزّ لومبارد رأسه فواصل بلور كلامه قائلا : إذن فقد كنتَ تخفي الأمر عنّا.

قال لومبارد: بطريقة ما، نعم.

- حسناً ، تفضل وأخبرنا الآن.

قال لومبارد ببطء: لقد أوحيت لكم جميعاً بأني دُعيتُ إلى هنا بالطريقة نفسها مثل معظم الآخرين، ولكن ذلك لم يكُن صحيحاً تمام اً. الواقع أن وسيطاً خسيساً اسمه موريس أتاني وعرض عليّ مئة جنيه لأحضر إلى هذه الجزيرة وأراقب ما يجري جيّداً، وقال إن لي سمعة حسنة كرجل يُحسن التصرف في المواقف الصعبة.

فاستحثّه بلور بصبر نافد قائلا : حسناً، ثم ماذا؟

قال لومبارد بهمهمة : هذا كل ما هنالك.

فقال الدكتور آرمسترونغ: ولكن من المؤكَّد أنه أخبرك أشياء أكثر من ذلك.

- لا ، لم يفعل ؛ لقد أطبق فمه كالمحارة، وكان عليّ أن أقبل أو أرفض، كانت هذه كلماته، ولأنني كنت مفلساً فقد قبلت العرض.

بدا بلور غير مقتنع وقال: لِمَ لم تخبرنا بذلك ليلة أمس؟

فهزّ لومبارد كتفيه استنكاراً وقال: كيف كان بوسعي أن أعرف – يا عزيزي – أن ليلة أمس لم تكُن هي بالضبط الحدَث المحتمَل الذي جئتُ من أجله؟ لذلك لذتُ بالصمت ورويتُ قصة لا تُلزمني بشيء.

قال الدكتور آرمسترونغ ساخر اً: ولكن تفكيرك اختلف الآن؟

فتغيرت ملامح لومبارد وعبس وجهه وتصلّب وقال: أجل، الآن أنا أعتقد أنني في القارب نفسه معكم. تلك الجنيهات المئة كانت قطعة الجبن الصغيرة التي وضعها لي السيد أوين طُعماً للوقوع في المصيدة معكم.

وأضاف ببطء: نحن جميعاً في مصيدة، أقسم على ذلك. موت السيدة روجرز وتوني مارستون، اختفاء تماثيل الجنود الصغار من فوق طاولة الطعام. نعم، نعم ، إن يد السيد أوين واضحة في الموضوع ، ولكن أين ذلك الوغد السيد أوين نفسه؟!

عندئذ دقّ الجرس في الطابق السفلي داعياً إلى الغداء.

-2-

كان روجرز واقفاً إلى جانب باب غرفة الطعام، وحين رأى الرجال الثلاثة ينزلون الدرَج خطا إلى الأمام خطوة أو اثنتين وقال بصوت خفيض يشوبه القلق: آمل أن يكون الطعام المعَدّ مرضياً لكم. لدينا شرائح من اللحم البارد وقد سلقتُ بعض البطاطا، ولدينا أيضاً جبن وبعض الفواكه المعلَّبة.

قال لومبارد: لا بأس بكل ذلك. إذن فالمؤن جيدة.

- الطعام وفير يا سيدي ؛ يوجد هنا الكثير من الأطعمة المعلَّبة وثلاجة اللحوم مملوءة جيد اً. هذا ضروري – يا سيدي – في جزيرة قد ينقطع فيها المرء عن الساحل فترة طويلة.

أومأ لومبارد موافق اً: وغمغم روجرز وهو يتبع الرجال الثلاثة إلى داخل غرفة الطعام: يعتريني القلق لأن فريد ناراكوت لم يحضر هنا اليوم. يمكن للمرء أن يقول إنه سوء حظ غريب.

قال لومبارد: أجل ، سوء حظ غريب، هذا وصف جيّد للحالة.

دخلت الآنسة برنت الغرفة وكانت قد أسقطت لفة من الصوف لتوّها وأخذَت تعيد لفّ الخيط من جديد، وفيما كانت تأخذ مقعدها إلى المائدة علّقَت قائلة: الطقس يتغيّر، أصبحت الريح قوية جداً والأمواج البيضاء تملأ سطح البحر كالخيل.

ودخل القاضي وارغريف بخطوات بطيئة متزنة وجال بعينيه على بقيّة الجالسين حول المائدة بنظرات سريعة من تحت حاجّبيه الكثيفين ثم قال: أظنكم قضيتم صباحاً مفعماً بالنشاط.

كان في صوته رنّة ابتهاج يشوبها بعض الخبث، ثم دخلت فيرا كلايثورن على عجل فقالت وهي تلتقط أنفاسها: آمل أنكم لم تنتظروني. هل تأخرت عليكم؟

فقالت إميلي برنت: أنت لستِ آخر من يحضر؛ الجنرال لم يأتِ بعد.

جلسوا حول الطاولة فقال لورجز مخاطباً الآنسة برنت: هل ستبدئين يا سيدتي أم ستنتظرين؟

فقالت فيرا: الجنرال ماك آرثر يجلس على طرف البحر، ولا أتوقع أن يكون بوسعه سماع الجرس هناك على أية حال.

وتردّدَت قليلاً ثم أضافت: أعتقد أنه يتصرف بغرابة إلى حدّ ما هذا اليوم.

فقال روجرز بسرعة: سأذهب وأخبره أن الغداء جاهز.

فقفز الدكتور آرمسترونغ وقال: سأذهب أنا، ابدؤوا أنتم بتناول طعامكم.

وغادر الغرفة، وسمع من خلفه صوت روجرز يقول: أتريدين لحماً بارداً يا سيدتي؟

-3-

بدا أن الخمسة الجالسين حول الطاولة يجدون صعوبة في تبادل الحديث، وفي الخارج كانت هبّات من الريح تشتدّ ثم تتلاشى فارتعشت فيرا قليلاً وقالت: أظن أن العاصفة قادمة.

وأدلى بلور بدلوه في الحوار فقال بلهجة من يريد فتح باب الحديث: رجل عجوز في القطار القادم من بلايموث أمس ظلّ يقول طول الوقت إن عاصفة قادمة. كم تدهشني معرفة البحّارة العجائز بالطقس!

دار روجرز حول المائدة يجمع أطباق اللحوم، وفجأة توقُف والأطباق لا تزال في يدَيه وقال بصوت غريب ومذعور: هناك شخص يجري.

كان بوسع الجميع سماع الصوت، صوت أقدام تجري على طول الشرفة! وقد عرفوا الخبر في تلك اللحظة دون أن يخبرهم أحد ، ودون اتفاق مسبّق وثبوا جميعاً على أقدامهم ووقفوا ينظرون باتجاه الباب، وظهر الدكتور آرمسترونغ لاهثاً وقال: الجنرال ماك آرثر...

فقالت فيرا: مات؟!

انطلقت الكلمة من فم فيرا كالانفجار، فقال آمسترونغ: نعم، لقد مات!

وسادت برهة من الصمت، برهة طويلة، ونظر الأشخاص السبعة بعضهم إلى بعض دون أن يجدوا شيئاً يقولونه.

-3-

بدأت العاصفة تهبّ ، وبينما كانت جثة الرجل العجوز تُنقَل عبر الباب كان البقية يقفون في القاعة، وإذ أخذ المطر ينهمر تصاعد صوت خفيف لتساقط المياه على الأرض مصحوباً بزئير العاصفة. وبينما كان بلور وآرمسترونغ يصعدان الدرَج بحملهما استدارت فيرا فجأة وذهبت إلى غرفة الطعام المهجورة. كانت كما تركوها وطبق الحلوى على الطاولة الجانبية لم يمسَسُه أحد.

خطت فيرا نحو الطاولة... وكانت لا تزال هناك بعد دقيقة أو اثنتين عندما دخل روجرز بهدوء إلى الغرفة ففوجئ بوجودها، ثم لاح سؤال في عينه وقال: عفواً يا آنسة، أنا ... لقد جئت لأرى...

وبصوت عا ل أجشّ فاجأها هي نفسها قالت فيرا: أنت محقّ تماماً يا روجرز، انظر بنفسك، هناك سبعة تماثيل فقط!

-5-

كانت جثة الجنرال ماك آرثر قد سُجيّت على سريره، وأجرى آرمسترونغ فحصاً أخيراً ثم غادر الغرفة ونزل إلى الطابق الأرضي فوجد الآخرين مجتمعين في غرفة الجلوس. كانت الآنسة برنت تشتغل بالصوف في حين كانت فيرا كلايثورن واقفة بجوار الشبّاك تنظر إلى المطر المتساقط، وجلس بلور باعتدال على كرسيّ ويداه على ركبتيه، وكان لومبارد يذرع الغرفة جيئة وذهاباً، وفي الطرَف الآخر من الغرفة جلس القاضي وارغريف في كرسيّ مريح وعيناه نصف مغمضتين.

فتح وارغريف عينيَه عندما دخل آرمسترونغ الغرفة وقال بصوت واضح: حسناً يا دكتور، ما الوضع؟

بدا آرمسترونغ شاحباً جداً وقال : لم يُصّب بنوبة قلبية أو بأي شيء من هذا القبيل، لقد ضُرب ماك آرثر بهراوة أو بشيء مماثل على مؤخّرة رأسه!

سرَت همهمة بين الحضور ، ولكن صوت القاضي ارتفع بوضوح مرة أخرى قائلا : هل وجدت الأداة الفعلية التي تمّ استخدامها؟

- لا.

- وهل أنت متأكد من الحقائق التي توصلتَ إليها؟

- نعم، متأكد تمام اً

.

- قال القاضي وارغريف بهدوء: نحن نعرف أين نحن الآن بالضبط.

لم يوجد شك حول من يتولى زمام الموقف في تلك اللحظة. وارغريف كان قد قضى صباح ذلك اليوم منغرساً في كرسيّه في الشرفة ممتنعاً عن ممارسة أيّ نشاط، ولكنه أصبح يتولى القيادة بالسلاسة التي تتيحها عادة ممارسة السلطة لوقت طويل. كان يرأس المحكمة دون شك.

تنحنح القاضي وقال مرة أخرى: كنتُ في أثناء جلوسي هذا الصباح في الشرفة – أيها السادة – أراقب تصرفاتكم، ولم يكُن لديّ سوى القليل من الشك حول ما كنتم تسعون إليه، كنتم تفتّشون الجزيرة بحثاً عن قاتل مجهول.

فقال فيليب لومبارد: هذا صحيح تماماً يا سيدي.

تابع القاضي: ولقد وصلتم إلى النتيجة ذاتها التي توصلت أنا إليها دون شك، وهي أن موت أنتوني مارستون والسيدة روجرز لم يكُن نتيجة حاد ث أو انتحار، كما أنكم توصلتم إلى استنتاج معيَّن حول قصد السيد أوين من استدراجنا إلى هذه الجزيرة بالتأكيد.

فقال بلور بصوت أجشّ : هذا الرجل مجنون معتوه!

فسعل القاضي وقال: هذا مؤكَّد تقريب اً: ولكنه بالكاد يؤثّر على الموضوع. اهتمامنا الرئيسي الآن هو إنقاذ حياتنا.

قال آرمسترونغ بصوت متهدّج: لا يوجد أحد في الجزيرة، أؤكّد لكم انه لا أحد في الجزيرة.

فمسح القاضي على ذقنه وقال بلطف: بالمعنى الذي تقصده: نعم. لقد توصلتُ إلى هذا الاستنتاج في وقت مبكّر هذا الصباح، وكان بوسعي أن أقول لكم إن بحثكم سينتهي دون جدوى، لكنني – مع ذلك – أتبّنى بشدّة الرأي القائل إن السيد أوين )ولنستخدم الاسم الذي أعطاه هو لنفسه( موجود في هذه الجزيرة. هذا شبه مؤكَّد، وإذا أمعَنا النظر في تلك المسألة المحيّرة، ألا وهي – دون زيادة أو نقصان – إنفاذ حكم القضاء بحقّ أشخاص معَّينين لارتكابهم جرائم لا يثبتها القانون، فسنجد انه توجد طريقة واحدة لتنفيذ هذه الخطة. السيد أوين لا يمكن أن يكون على الجزيرة إلاَ بطريقة واحدة أيها السادة، وهي أن يكون واحداً منّا.

-6-

صرخت فيرا كما لو كانت تئنّ : يا إلهي ! لا ، لا ، لا !

فرمقها القاضي بنظرة حادّة وقال: عزيزتي السيدة الشابة، ليس هذا وقت رفض مواجهة الحقائق. نحن جميعاً نواجه خطراً قاتلاً، أحدنا هو أوين ولا نعرف من يكون بيننا. من بين الأشخاص العشرة الذين أتوا إلى هذه الجزيرة ثلاثة تأكدَت براءتهم، أنتوني مارستون والسيدة روجرز والجنرال ماك آرثر أصبحوا خارج دائر الشك. بقي سبعة منّا، ومن بين هؤلاء السبعة واحد سأدعوه " الجندي الصغير المزيَّف ".

وتوقّف قليلاً ونظر حوله ثم سأل: هل أفهم أنكم جميعاً توافقونني الرأي؟

فقال آرمسترونغ: هذا شيء كالخيال، ولكني أعتقد أنك على حق.

وقال بلور: لا شك في ذلك، وإذا سألتموني فلديّ فكرة جيدة جد اً.

ولكن القاضي وارغريف أوقفه بإشارة من يده وقال بهدوء: سنصل إلى ذلك فيما بعد. كل ما أريده الآن هو التأكّد من أننا جميعاً متفقون حول الحقائق.

قالت إميلي برنت وهي لا تزال تشتغل بحياكة الصوف: نظريتك تبدو منطقية، أنا أوافق أن أحدنا يتملكه شيطان.

وغمغمت فيرا: لا أستطيع أن أصدّق، لا أستطيع.

فقال وارغريف: وماذا عنك يا لومبارد؟

- أوافقك يا سيدي، أوافقك تمام اً.

فأومأ القاضي برأسه بارتياح وقال: الآن دعونا نفحص الأدلة.

بداية: هل من سبب للاشتباه في شخص معيِّن ؟ أعتقد أن لديك ما تقوله يا سيد بلور.

تن فس بلور بصعوبة وقال: لومبارد معه مسدّس، وهو لم يَقُل الحقيقة ليلة أمس، وقد أعترف بذلك.

فابتسم لومبارد باستهزاء وقال: أعتقد أن من الأفضل أن أشرح الأمر ثانية

.

وشرح الموضوع سارداً القصة بشكل موجَز ومحكَم فقال بلور بحدّة: ماذا لديك من إثباتات؟ لا يوجد ما يعزّز روايتك.

فسعل القاضي وقال: نحن جميعاً في هذا الوضع؛ ليس لدينا من دليل سوى كلامنا لسوء الحظ

.

ثم انحنى إلى الأمام قليلاً وأضاف: ليس بينكم من استوعب غرابة الموقف الذي نحن فيه حتى الآن، وفي رأيي أنه يوجد أسلوب واحد يمكن الأخذ به. هل يمكننا استبعاد أحد من الشك بناء على الأدلة الموجودة لدينا؟

فقال الدكتور آرمسترونغ بسرعة: أنا رجل مهنيّ معروف، ومجرّد فكرة أنني قد أكون موضع اشتباه... فأشار القاضي وارغريف بيده مرة أخرى فأوقف المتحدث قبل الانتهاء من كلامه وقال بصوته الهادئ الواضح: أنا أيضاً رجل معروف جيّداً، ولكن هذا لا يثبت شيئاً يا سيدي. بعض الأطبّاء والقضاة أصيبوا بالجنون.

ثم نظر إلى بلور وقال مكملا : وكذلك رجال شرطة.

قال لومبارد: أيّاً كان الأمر، أعتقد أنك سوف تستثني النساء من ذلك.

فارتفع حاجبا القاضي وقال بنبرة السخرية اللاذعة التي يجيدها: هل أفهم من هذا أنك تؤكّد أن النساء ليست لديهنّ نزعات إجرامية؟

فقال لومبارد متضايق اً: بالطبع لا، ولكن يبدو هذا احتمالاً صعب اً.

وتوقف عن كلامه فقال القاضي وارغريف بنفس الصوت الهادئ اللاذع: أعتقد – يا دكتور آرمسترونغ – أن أي امرأة قادرة جسدياً على توجيه ضربة كتلك التي قتلت المسكين ماك آرثر.

فقال الطبيب بهدوء: تستطيع تماماً إذا توفرت لها أداة مناسبة كهراوة أو نحو ذلك.

- هل يتطلب هذا استخداماً مفرطاً في القوة؟

- لا ، ابد اً.

لوى القاضي وارغريف عنقه الشبيهة بعنق السلحفاة وقال: حادثتا الوفاة الأخريان نتجتا عن استخدام عقاقير طبية، وهذه سهلة التنفيذ بواسطة أيّ شخص لدية أدنى قدرة جسدية دون جدال.

فصاحت فيرا بغضب: أعتقد أنك تهذي!

فتحركت عيناه ببطء حتى استقرّتا عليها، وكانت النظرة الباردة لرجل اعتاد جيداً على تقييم الناس، فقالت فيرا لنفسها: " إنه ينظر إليّ فقط ك... كمثال، و..."، ثم واتتها الفكرة بدهشة حقيقية فقالت لنفسها: وهو لا يحبني كثير اً!

قال القاضي بنبرة متزنة: سيدتي الشابة العزيزة، حاولي كبح مشاعرك . أنا لا أتهمك.

ثم انحنى للآنسة برنت وقال: آمل – يا آنسة برنت – أن لا أضايقك بإصراري على أننا جميعاً متساوون في أن تكون عرضة للاشتباه.

كانت إميلي برنت تحيك الصوف، وقالت دون أن ترفع رأسها وبصوت بارد: إن فكرة اتهامي بقتل شخص من بني الإنسان، ناهيك عن قتل ثلاثة أشخاص، فكرة سخيفة تماماً – بالطبع – لكل من يعرف شيئاً عن طبيعة شخصيتي.

ولكني أقدّر حقيقة أننا جميعاً غرباء بعضنا بالنسبة لبعض، وأنه في ظروف كهذه لا يمكن استثناء أحد دون أدلّة وافية.

قال القاضي : إذن فنحن متفقون، لا يمكن استثناء أحد على أساس الشخصية أو المركز فقط.

فقال لومبارد: وماذا عن روجرز؟

فقال القاضي وهو ينظر إليه دون أن تطرف عيناه: وماذا عنه؟

قال لومبارد : حسناً ، في رأيي أن روجرز مستثنى تمام اً.

فقال القاضي وارغريف حقاً؟ على أيّ أساس؟

قال لومبارد: أولاً ليس لديه الكثير من الذكاء، وثانياً زوجته كانت إحدى الضحايا.

فارتفع حاجبا القاضي مرة اخرى وقال: في أيام خدمتي – أيها الشاب – وقف أمامي أشخاص عديدون متّهمون بقتل زوجاتهم، وثبت أنهم مذنبون.

- أنا موافق تماماً، إن قتل الزوجات محتمَل تماماً، بل لنقل إنه يكاد يكون طبيعياً، ولكن ليس هذا النوع بالذات

.

يمكنني أن أصدّق أن روجرز قتل زوجته لأنه كان يخشى أن تنهار وتفضح أمره، أو لأنه لم يعُد يحبها، أو لأنه يريد الارتباط بامرأة جميلة أصغر سن اً... ولكن لا أرى من المحتمل أن يكون هو السيد أوين المعتوه ويريد إحقاق عدل مجنون بدءاً بزوجته هو لجريمة ارتكباها مع اً.

فقال القاضي وارغريف : أنت تفترض شهادة سماعية كدليل. نحن لا نعرف أن روجرز وزوجته تآمرا لقتل مستخدِمتهما، وقد تكون تلك إفادة كاذبة قيلت لكي يبدو روجرز بنفس الوضع الذي نحن فيه. ربما كان ذعر السيدة روجرز ليلة أمس ناتجاً عن حقيقة إدراكها أن زوجها أصابه مسّ من الجنون.

قال لومبارد: حسناً، خذ الأمر كما تشاء؛ أوين واحد منّا ولا أحدَ مستثنى، وجميعنا مؤهَّلون لهذا الاحتمال. قال القاضي وارغريف: النقطة التي أريد التركيز عليها هي انه يجب عدم السماح بأية استثناءات على أساس الشخصية أو المركز أو الاحتمالية. ما يتعيّن علينا الآن البحث فيه هو مدى احتمال استثناء شخص أو أكثر من بيننا على أساس الحقائق. بعبارة أبسط: هل بيننا شخص أو أكثر لا يُحتمَل ان يكون قد وضع السيانيد لأنتوني مارستون، أو جرعة منوّم زائدة للسيدة روجرز. أو لم تكُن لديه فرصة لتوجيه الضربة التي قتلت الجنرال ماك آرثر؟

فأضاء وجه بلور الذي كان متجهماً وانحنى بجسمه إلى الأمام وقال: الآن أنت تضع النقاط على الحروف يا سيدي، هذا هو صلب الموضوع ولندخل في تفصيلاته الآن، بالنسبة لمارستون لا أعتقد أن بالإمكان إضافة أيّ شيء. لقد طُرحت فكرة مفادها أنّ شخصاً ما من الخارج قد دسّ له شيئاً في كأسه قبل أن يملأها للمرة الأخيرة، والواقع أن شخصاً من داخل الغرفة كان بوسعه فعل ذلك بسهولة أكبر. أنا لا أذكر ما إذا كان روجرز داخل الغرفة عندئذ أم لا، ولكن أيّ شخص منّا نحن الآخرين كان بوسعه ذلك.

وتوقف لحظة ثم تابع: والآن خذ مثلاً تلك المرأة السيدة روجرز، الأشخاص الأبرز فيما يتعلق بها هم زوجها والطبيب، وكلاهما كان بوسعه تنفيذ الأمر بكل سهولة.

فانتفض آرمسترونغ واقف اً على قدميه مرتجفاً وقال: أنا أحتجّ ؛ هذا كلام لا أساس له أبد اً. أقسم أن الجرعة التي أعطيتها لتلك المرأة كانت في غاية ال...

فقال القاضي بصوت غاضب مهيب منخفض النبرة: دكتور آرمسترونغ!

فلم يكمل آرمسترونغ عبارته وتابع القاضي بصوته المنخفض الهادئ: من الطبيعي أن تغضب ، ولكن عليك أن تعترف أنه لا بدّ من مواجهة الحقائق. أنت وروجرز كان بإمكانكما دسّ جرعة مميتة بكل سهولة. والآن فلنستعرض موقف بقية الحاضرين. ما فرصتي أنا ؟ وما فرصة المفتش بلور أو الآنسة كلايثورن أو السيد لومبارد؟

ما فرصة أيّ من هؤلاء في وضع السم؟ هل بالإمكان استبعاد أي منّا كلّياً؟

وتوقف قليلاً ثم قال: لا أظن ذلك.

قالت فيرا بغضب: أنا لم أقترب من تلك المرأة، يمكنكم جميعاً أن تُقسموا على ذلك.

فانتظر القاضي وارغريف لحظة ثم قال: بقدر ما تسعفني ذاكرتي كانت الحقائق كما يلي، وأرجو منكم تصحيحي إذا كان في كلامي أي خطأ: السيدة روجرز حُمِلت إلى الأريكة بواسطة السيد مارستون والسيد لومبارد، الدكتور آرمسترونغ ذهب إليها لمعاينتها وأرسل روجرز لإحضار العصائر، ثم برز سؤال حول مصدر الصوت الذي كنّا قد سمعناه للتو فذهبنا جميعاً إلى الغرفة المجاورة ما عدا الآنسة برنت التي بقيّت في الغرفة وحدها مع المرأة فاقدة الوعي.

احمرّت وجنتا الآنسة برنت قليلاً وتوقفت عن الحياكة قائلة: هذا فظيع!

وتابع الصوت الخفيض القاسي: عندما عدنا إلى الغرفة كنت أنت – يا آنسة برنت – منحنية على المرأة المطروحة على الأريكة.

فقالت إميلي برنت: هل التعاطف الإنساني جريمة؟

فقال القاضي وارغريف : أنا أؤكّد الحقائق فقط. بعد ذلك دخل روجرز ومعه المرطبات التي كان بوسعه أن يضع فيها ما يشاء بالطبع قبل دخول الغرفة، وأعطى العصير للمرأة، وبعد ذلك بفترة قصيرة قام كل من زوجها والدكتور آرمسترونغ بمساعدتها في الصعود إلى غرفة نومها، وهناك أعطاها الدكتور آرمسترونغ مُسكّن اً.

قال بلور: هذا ما حدث بالضبط، وهذا يستبعد من الموضوع القاضي والسيد لومبارد وأنا والآنسة كلايثورن.

كان صوته عالياً ومبتهجاً ، فرماه القاضي وارغريف بنظرة باردة وغمغم: حقاً؟ هل هذا صحيح؟ يجب أن نضع في حسابنا كل الاحتمالات الممكنة.

فنظر إليه بلور وقال: لا أفهم ما تعني؟

فقال القاضي وارغريف: في غرفتها في الأعلى كانت السيدة روجرز ممدَّدة على السرير، وكان المُسكّن الذي أعطاها إياه الطبيب قد بدأ يأخذ مفعوله، كانت ترقد مستسلمة تغالب النوم على نحو ما. لنفرض أن الباب دُق في لحظة ما ودخل شخص ومعه قرص أو جرعة دواء مثلاً، وقال لها إن الطبيب يريد منها تناول هذا. فهل تتصورون للحظة واحدة أنها لن تبتلع ذلك الدواء بكل طواعية ودون تردد؟

ساد الصمت وبدّل بلور وضع قدميه وقطب جبينه، وقال فيليب لومبارد: لا أصدّق هذه الفرضية للحظة واحدة، ثم إنه لا أحد منًا غادر هذه الغرفة لعدة ساعات بعدها بسبب حادثة وفاة مارستون وما إلى ذلك.

قال القاضي: كان بوسع أيّ واحد منا )أو واحدة( أن يغادر غرفته ) أو غرفتها( في وقت لاحق.

فاعترض لومبارد قائلا : ولكن كان متوقَّعاً أن يكون السيد روجرز هناك.

تململ الدكتور آرمسترونغ وقال: لا ، روجرز نزل لتنظيف وترتيب غرفة الطعام والمطبخ، وكان بوسع أيّ شخص أن يصعد إلى غرفة المرأة دون أن يراه أحد.

قالت إميلي برنت: بالتأكيد – يا دكتور – ستكون المرأة مستغرقة عندئذ في النوم بفعل تأثير المسكّن الذي أعطيتَها إياه.

- في الغالب، نعم، ولكن هذا ليس مؤكَّداً مئة بالمئة؛ فأنتِ لا تستطيعين معرفة كيفية استجابة المرضى لمختلف الأدوية إلاّ إذا كنتِ قد وضعتِ الدواء للمريض أكثر من مرّة. أحياناً تمرّ فترة طويلة قبل أن يأخذ المسكّن مفعوله. الأمر يعتمد على مدى حساسية المريض لذلك الدواء بالذات.

قال لومبارد: طبعاً كنت ستقول ذلك يا دكتور؛ إنه يناسبك، أليس كذلك؟

وتدخّل صوت القاضي الهادئ البارد ثانية مقاطع اً: لا فائدة من تبادل الاتهامات، علينا التعامل مع الحقائق فقط، أعتقد أنه من الثابت الآن أن شيئاً كالذي وصفتُه لكم محتمَل الحدوث، وأنا أؤيّد أن درجة الاحتمال ليست عالية، ولكن ذلك يعتمد على شخصية مَن يُحتمَل أن يكون قد قام بذلك العمل؛ فظهور الآنسة برنت أو الآنسة كلايثورن في مهمّة كهذه لن يثير دهشة لدى المريضة، وصحيح أن ظهوري أنا أو السيد بلور أو السيد لومبارد سيكون أمراً غير عادي على الأقل، ولكني لا أزال أعتقد أن زيارة كهذه لن تثير أية شكوك حقيقية.

قال بلور: وأين يؤدّي بنا ذلك؟

قال القاضي وارغريف وهو يربّت على شفته ويبدو بمنتهى القسوة والجمود: لقد بحثنا في الجريمة الثانية حتى الآن، وتوصلنا إلى حقيقة أنه لا يمكن استبعاد أيّ منّا تماما من الاشتباه.

وتوقف قليلاً ثم تابع: نأتي الآن إلى موت الجنرال ماك آرثر الذي حدث هذا الصباح. سوف اسأل كل مَن يعتبر أن لديه أو لديها حجة غياب أن يقول لنا حجّته بكل وضوح. أنا عن نفسي أقول مباشرة إنه ليس لديّ حجة مؤكّدة؛ لقد قضيت فترة الصباح جالساً في الشرفة متأملاً الوضع الفريد الذي صرنا جميعاً فيه. جلستُ على ذلك الكرسي في الشرفة طول الصباح حتى دقّ الجرس، ولكن يخيَّل إليّ أنني مرّت بي فترات لم أكن خلالها مراقَباً من أحد، وكان

بوسعي خلال هذه الفترات أن أنزل إلى الشاطئ فأقتل الجنرال وأعود إلى حيث كنت أجلس، ولا يوجد ما يدعم حقيقة أ ني لم أغادر الشرفة إلا كلمتي أنا، وفي أحوال كهذه لا يكفي هذا ولا بدّ من وجود إثبات. قال بلور أنا كنتُ مع السيد لومبارد والدكتور آرمسترونغ طوال الصباح، وهما يشهدان على ذلك. فقال الدكتور آرمسترونغ : لقد ذهبتَ إلى البيت لإحضار حبل.

قال بلور: طبعاً حصل هذا، ذهبتُ مباشرة وعدتُ مباشرة، أنت تعرف هذا.

فقال آرمسترونغ: لقد غبتَ فترة طويلة.

أحمرّ وجه بلور وقال: ماذا تعني يا دكتور آرمسترونغ؟

فأجاب آرمسترونغ : كل ما قلتُه إنك غبت لمدة طويلة.

- كان عليّ أن أجد الحبل ، أليس كذلك؟ لا يمكنك أن تجد لفّة حبل خلال دقيقة.

قال القاضي وارغريف: خلال غياب السيد بلور هل كنتما معاً أيها السادة؟

فأجاب آرمسترونغ بحرارة: بالتأكيد، أعني... لقد غادر لومبارد لبضع دقائق وأنا بقيت في مكاني.

قال لومبارد مبتسم اً: كنتُ أودّ اختبار احتمال إرسال إشارات بمرآة إلى البر، وأردت معرفة أفضل نقطة لذلك. لقد تغيّبتُ لمدة دقيقة أو اثنتين.

أومأ آرمسترونغ موافقاً وقال: هذا صحيح، لم يكُن وقتاً يكفي لارتكاب جريمة، أؤكّد ذلك.

قال القاضي : هل نظر أيّ منكما إلى ساعته؟

- حسنا ، لم يفعل أحدنا هذا.

قال فيليب : أنا لم أكُن أحمل ساعة.

قال القاضي بهدوء : دقيقة أو اثنتان تعبير غامض.

ثم التفت برأسه إلى المرأة الجالسة بهيئة معتدلة وفي حضنها أشغال الصوف وقال: وأنت يا آنسة برنت؟

فقال الآنسة برنت: لقد تمشّيتُ مع الآنسة كلايثورن إلى قمة الجزيرة، وبعد ذلك جلست في الشمس في الشرفة.

قال القاضي : لا أعتقد أنني رأيتك هناك.

- هذا صحيح؛ كنت خلف زاوية البيت من الجهة الشرقية بعيداً عن مهبّ الريح.

- وهل جلستِ هناك حتى وقت الغداء؟

- نعم.

- وأنتِ يا آنسة كلايثورن؟

أجابت فيرا بسرعة ووضوح : كنت مع الآنسة برنت في وقت مبكّر من هذا الصباح، ثم تجوّلتُ قليلاً، ثم نزلت وتحدثت إلى الجنرال ماك آرثر و...

فقاطعها القاضي وارغريف: متى كان ذلك؟

كانت فيرا غير محدَّدة للمرة الأولى وقالت: لا أعرف ، أظنه كان قبل الغداء بنحو ساعة، أو لعلّه كان قبل ذلك سأل بلور: هل كان ذلك بعد أن تحدثنا معه أم قبل ذلك؟

قالت فيرا: لا أعرف، لقد... لقد بدا غريباً جد اً!

وسرَت رعشة في جسمها، فقال القاضي مستفسر اً: كيف بدا لك غريباً؟

فقالت فيرا بصوت خفيض: قال إننا جميعاً سوف نموت، وقال إنه كان ينتظر النهاية! لقد.... لقد أخافني.

أومأ القاضي وقال: ماذا فعلتِ بعد ذلك؟

- عدت إلى البيت ، وقبل الغداء مباشرة خرجتُ ثانية وذهبت خلف المنزل. لقد كنت قلقة للغاية طوال الصباح.

قال القاضي وارغريف: بقي روجرز، رغم أنني أشك في انّ إفادته ستضيف شيئاً لِما تجمع لدينا من معلومات.

-7-

حين مَثُل روجرز أمام المحكمة لم يكُن لديه الكثير ليقوله؛ كان مشغولاً طوال الصباح بأعمال البيت وإعداد الغداء، وقبل الغداء قدّ م بعض المرطبات في الشرفة ثم ذهب لنقل أمتعته من غرفة السطح إلى غرفة أخرى. لم ينظر من النافذة خلال الصباح ولم يرَ شيئاً قد تكون له صلة بموت الجنرال ماك آرثر، وهو يقسم بأنه كان على طاولة الطعام ثمانية تماثيل خزفية عندما كان يُعِدّ المائدة للغداء.

عندما انتهى روجرز من إفادته ساد صمت قصير وتنحنح القاضي وارغريف، وغمغم لومبارد هامساً لفيرا كلايثورن: سوف يلخّص القضية الآن.

قال القاضي: لقد حققنا في ظروف حالات الوفاة الثلاث هذه بأفضل ما استطعنا، وفي حين أن الاحتمالية في بعض القضايا ليست في صالح أشخاص معَّينين كانوا موضع اشتباه إلا أننا لا نستطيع ان نقول إن أيّ واحد منّا يمكن اعتباره بريئاً بشكل مؤكّد. أؤكّد قناعتي التامّة بأن أحد الأشخاص السبعة الموجودين في هذه الغرفة مجرم خطير، وهو مختلّ العقل على الأرجح. ليس أمامنا دليل حول هذا الشخص، وكل ما نستطيع أن نفعله في هذه المرحلة هو بحث الإجراءات التي يمكننا اتخاذها للاتصال بالبر طلباً للنجدة، ولكن إذا ما تأخرت النجدة )وهو أمر محتمَل جداً بسبب حالة الطقس( فما الإجراءات التي نستطيع اتخاذها لضمان سلامتنا؟

وصمت هنيهة ثم عاد يقول: اطلب منكم أن تفكّروا فيما أقوله بعناية وأن تُع لِموني بأيّ اقتراحات قد تخطر لكم. في هذه الأثناء أودّ أن أحذّر كلاً منكم ليكون في غاية اليقظة والاحتراس. لقد كانت مهمة المجرم سهلة حتى الآن لأن ضحاياه لم يكونوا مرتابين فيه، لكن واجبنا أن نشكّ في كل واحد فينا هذه اللحظة. لا تخاطروا بأية صورة وكونوا متنبهين للخطر، هذا كل ما لديّ .

غمغم فيليب لومبارد هامس اً: والآن ستُرفع الجلسة.__

2 عرض

© 2023 by The Artifact. Proudly created with Wix.com

This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now