• mostafa

طيورفقدت قدرتها على الطيران أثناء تتابع تطوُّرها الجينى

تم التحديث: سبتمبر 8


مجموعات كبيرة من الطيور لم تعد قادرة على الطيران. وخلال دراسة هياكل أجنحة الأنواع القادرة على الطيران والعاجزة عنه هل حدث هذا بالفعل وما السبب.


نستطيع أن نُكَوِّن فهمًا عن التطور بدراسة التسلسل الذي تكتسب به الكائنات سماتٍ جديدة، لكنَّ دراسة فقدان السمات لها فوائدها أيضًا... فإذا فَقدَت مجموعاتٌ محددة من الكائنات الحية سمةً معينة عدة مرات، يمكن باستخدام مقارباتٍ إحصائية فعالة تحديد الأسس الجينية التي وراء فقدان تلك السمة. وفي دراسةٍ حديثة تم التركيزالضوء على التغيُّرات الجينية المرتبطة بفقدان القدرة على الطيران في الطيور. وقارن الباحثون الجينومات الكاملة لـ59 بطةً من البط الباخر ؛ لدراسة فقدان القدرة على الطيران خلال عملية التطور.


يستوطن البط الباخر الموائل الساحلية والبحيرات في جنوب تشيلي، وجنوب الأرجنتين، وجُزُر فوكلاند. ويُظهِر ذلك النوع سلوكًا مميزًا في الهروب، يسمَّى بـ«حركة البواخر»، يُجدّف فيه بأجنحته وأقدامه تجديفًا سريعًا ومتزامنًا في الماء، ليُحاكي بذلك حركة القوارب البخارية التي سُمِّيَ النوع باسمها . ومن بين الأنواع الأربعة المعروفة من ذلك البط، تتصف ثلاثة بعدم قدرتها على الطيران (وهي: T. brachypterus، وT. Pteneres، وT. leucocephalus). يعجز عن الطيران كذلك بعض ذكور البط الأثقل وزنًا، المنتمية إلى النوع الرابع القادر عادةً على الطيران، وهو نوع T. patachonicus، لأَّنَّ حمولة جناحها (وهي نسبة وزن الجسم إلى مساحة سطح الجناح) أعلى من حمولة أجنحة نظرائها الأخفّ وزنًا.


إنّ جميع البط الباخر يمشي بكفاءةٍ على الأرض، ويغطس للحصول على الغذاء، وللهرب من المُفْتَرِسات. وعلى عكس طيور البفن والبطريق، التي تَستخدِم حركات أجنحتها للبحث عن الغذاء وتناوله، فإنَّ البط الباخر لا يلجأ إلى حركة البواخر للحصول على الطعام، لكنَّه يستخدم أجنحته في أثناء الغطس تحت الماء، بالإضافة إلى أنَّ عضلات الطيران في الأنواع العاجزة عن الطيران لا يقل حجمها عن كتلة جسمها إلا بدرجة بسيطة، مقارنةً بهذه النسبة نفسها بين أنواع البط الباخر القادرة على الطيران.

وهناك خلافٌ بشأن ما إذا كان كل نوعٍ من الأنواع العاجزة عن الطيران من البط الباخر قد فَقَدَ القدرة على الطيران وحده، أم أنَّ كل هذه الأنواع انحدرت من فرعٍ واحد من البط، عاجز عن الطيران. وحَلُّ هذا الخلاف سيوفر معلوماتٍ جديدة عن بعضٍ العوامل البيئية أو الإيكولوجية التي قد تحفز عملية فقدان القدرة على الطيران.


ويُعَد البط الباخر مجموعةً حديثة تطوريًّا، إذ يُقَدَّر عمْر هذه المجموعة بحوالي مليوني عام فقط. وقد كشف كامبانيا وزملاؤه - من خلال مقارنة جينومات هذه المجموعة من البط - أنَّ فقدان القدرة على الطيران في أثناء عملية التطور في النوعين القاريين T. pteneres، وT. leucocephalus قد حدث في وقتٍ مبكر من تاريخ الفرع الحيوي لتلك الأنواع، وخلال إطارٍ زمني قصير نسبيًّا. وعلى العكس، فإنَّ نوع T. patachonicus، والنوع الساحلي T. brachypterus أكثر قرابةً من بعضهما (تفرَّع النوعان في وقتٍ قريب)، وما زال من الممكن بالفعل أن تمتزج سلالاتهما. وبوجه عام، تشير المقارنة التي عقدها الباحثون بين الجينومات إلى أنَّ فقدان القدرة على الطيران ربما يكون قد حدث خلال التطور بصورةٍ مستقلة في كل نوع، أي في ثلاث مناسبات مختلفة، لكنْ هناك تفسيرات أخرى له.


حدَّد كامبانيا وزملاؤه أيضًا أجزاء الجينومات التي تتضمن أكبر عددٍ من الاختلافات في تسلسل الحمض النووي بين الأنواع القادرة على الطيران، والعاجزة عنه، عن طريق التنقيب في الجينومات عن صور تعدد أشكال النيوكليوتيدات المفردة (SNPs)، أي بدائل النيوكليوتيدات المفردة عند نقاطٍ محددة في تسلسل الحمض النووي. وربط الباحثون بين قياسات عِظام الأجنحة، ونِسَب العظام في الطيور التي جرى تعيين تسلسلات جينوماتها، وبين بيانات الجينومات، حتى يتمكنوا من تمييز الاختلافات الجينية المرتبطة بأشكال الأجنحة عن الاختلافات الجينية غير المرتبطة بها، أو تلك التي حدثت صدفةً في الأفراد. وجديرٌ بالذكر أنَّ بعض البط من نوعي T. patachonicus، وT. brachypterus تَبيَّن أنَّ لديه مزيجًا من التسلسلات الجينية المرتبطة بطول الأجنحة، سواء الخاصة بالقدرة على الطيران، أم تلك الخاصة بالعجز عنه. وبهذا.. يبدو أنَّ الباحثين قد اكتشفوا الآلية التطورية لفقدان القدرة على الطيران في البط الباخر.


وأغلب صور تعدد أشكال النيوكليوتيدات المفردة، التي اكتشف كامبانيا وزملاؤه ارتباطها بالاختلافات في قياسات الأطراف، قد حدث في جينٍ يُسمَّى DYRK1A، أو في موضع قريب منه. ولهذا.. يشير الباحثون إلى أنَّ التغيُّرات في التعبير عن جين DYRK1A ووظيفته قد تسهم في إنقاص أطوال الأطراف بالنسبة إلى وزن الجسم، وهو نقْص لُوحِظ في البط العاجز عن الطيران. ويشير الباحثون كذلك إلى أنَّ الفئران التي تحمل عددًا أكبر من المعتاد من نُسَخ جين DYRK1A تظهر فيها اختلافات في الأطراف، والهيكل العظمي. وإضافةً إلى ذلك.. تَبيَّن أنَّ لزيادة عدد نُسَخ جين DYRK1A دورًا في ظهور أعراضٍ معينة من متلازمة داون في الإنسان، منها الاختلافات في حجم الجسم، وطول العظام الطويلة، وبالأخص عظام الأطراف الأمامية. ورغم أنَّ كامبانيا وزملاءه لم يتمكنوا من فحص عدد نُسَخ جين DYRK1A في البط الباخر، قد تتمكن الأبحاث المستقبلية من دراسة آثار الاختلافات الجينيّة المُلاحَظة في نمو الطيور عن طريق التجارب.


إنّ الأنواع العاجزة عن الطيران شديدة التنوع، وفقدت القدرة على الطيران في أثناء تطورها في سياقاتٍ شديدة الاختلاف، إذ حدث فقدان هذه القدرة بعد اكتساب أسلوبٍ جديد للحركة في الماء، أو تعقُّد هذه الحركة. والمثال على ذلك.. حركة الغوص، أو حركة البواخر. كما حدث ذلك أيضًا في سياقاتٍ تغلب عليها اليابسة، ويُوجَد فيها القليل من المفترِسات. ومن الأمثلة على هذا السيناريو الأخير: طيور دجاج الماء، التي هي من أقارب طيور الكركي، حيث فَقَدَ دجاج الماء القدرة على الطيران في كل جزيرةٍ محيطيّة حطَّ عليها تقريبًا (وأحيانًا على الجزيرة نفسها بصورةٍ متكررة).


وبغضّ النظر عن السياقات المختلفة التي قد تحفّز فقدان القدرة على الطيران، ففي جميع كل تلك الحالات يتسبب نقْص طول الأجنحة بالنسبة إلى باقي الجسم في زيادة حمولة الأجنحة، إلى درجةٍ تجعل النوع عاجزًا عن الطيران، لكنّ التغيُّرات الأخرى في البِنْية العضلية للأجنحة، وفي الجلد، والريش، وكذلك في الأنظمة الحسية، وبقية الهيكل العظمي، تتباين بدرجةٍ كبيرة ما بين الأنواع المختلفة العاجزة عن الطيران، ولا يتضح دائمًا ما إذا كانت هذه التغيُّرات مرتبطة بفقدان القدرة على الطيران، أم بعوامل أخرى. وجديرٌ بالذكر – على سبيل المثال - أنه يُفترَض أنَّ التغيرات الجينية والتغيرات في شكل الأجنحة، المرتبطة بفقدان القدرة على الطيران في البط الباخر، قد حدثت في الوقت نفسه الذي طورت به هذه الطيور حركة البواخر. والأجنحة عادةً ما تكون قصيرةً نسبيًّا في الطيور التي تستخدمها للحركة في الماء. وبالتالي، من الصعب تحديد ما إذا كانت التغيرات الجينية المؤثرة على شكل الأجنحة ترتبط بتطوير الطيور لحركة البواخر، أو فقدانها القدرة على الطيران، أم لا.


شهدت السنوات القليلة الماضية تطوراتٌ كبيرة أخرى في الدراسات المعنية بالجوانب الجينية لفقدان القدرة على الطيران،. وحدَّدت إحدى الدراسات الاختلافات بين جينومات ثلاثة أنواع قادرة على الطيران من طيور الغاق، وجينوم قريبها العاجز عن الطيران؛ غاق جُزُر جالاباجوس، وظهر العديد من هذه الاختلافات في جيناتٍ مرتبطة بعمل النتوءات الخلوية، المسمَّاة بالأهداب، أو حولها. وتتوسط هذه الأهداب إرسال الإشارات الخلوية الضرورية لنمو الهيكل العظمي، إلا أنَّ عضلات الطيران، والأجزاء المرتبطة به في عظام القص في نوع غاق جُزُر جالاباجوس أصغر بكثير من تلك الموجودة في أقاربه من الأنواع القادرة على الطيران (وهي اختلافات لم تُلاحظ بين الأنواع القادرة على الطيران والعاجزة عنه في البط الباخر.


تناولت دراسةٌ أخرى أساسًا مختلفًا لفقدان القدرة على الطيران في الطيور من جنس مسطَّحات الصدر، وهي مجموعة من الطيور تشمل طيور الشبنم، والنعام، والكيوي، فقدت قدرتها على الطيران عدة مرات في الماضي البعيد. وقد اكْتُشِفَت اختلافاتٌ بين الأنواع القادرة على الطيران، والعاجزة عنه، في مناطق من الحمض النووي تُنَظِّم التعبير عن الجينات التي تسهم في تأسيس بِنْية الأطراف الأمامية (لكنَّها مختلفة عن التغيرات الملاحَظة في البط الباخر). وتتسبب التغيُّرات في التعبير عن عديدٍ من هذه الجينات أثناء التطور في قِصَر طول الأطراف الأمامية.


إنّ الآليّات المختلفة لفقدان القدرة على الطيران - التي اكتشفَتْها هذه الدراسات الجينومية - ليست بالضرورة متعارضةً مع بعضها البعض، بل إنَّ ثمة منظور جديد يذهب إلى أنَّ الآليات الجينية التي تؤدي إلى التغيرات في شكل الجناح وطوله ربما تكون متنوعةً، مثل السياقات الإيكولوجية التي فقدت فيها الطيور قدرتها على الطيران. وربما لا يُعَد ذلك مفاجأةً، إذ كشفت الدراسات المعنية بتناقص عدد الأصابع لدى الثدييات أيضًا وجود آلياتٍ متنوعة لهذا التناقص وتتسبب آلياتٌ جينية مختلفة كذلك في تكيُّف أنواع طائر الطنان القريبة من بعضها مع المرتفعات العالية. وما زلنا في حاجة إلى مزيدٍ من العمل على مقتنيات المتاحف، وإلى مزيد من البحث في مجالَي الأحياء النمائية، والتشريح، حتى يزداد فهْمنا للتغيُّرات الجينية التي تشكل أساس سماتٍ معينة، مثل العجز عن الطيران.

6 عرض

© 2023 by The Artifact. Proudly created with Wix.com

This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now