• mostafa

مشاهدة تطور خلايا السرطان

تم التحديث: سبتمبر 8


إن جينومات الخلايا السرطانية مليئة بالطفرات (وهي أخطاء في النوكليوتيدات المفردة)، وقد تسهم بعض هذه الطفرات في نمو السرطان عن طريق تنشيط الجينات التي تعزّز نمو الورم، والتي تسمى «الجينات الورمية»، أو عن طريق تعطيل عمل بعض الجينات التي تنتمي إلى فئة تعرف باسم «مثبطات الأورام»، والتي تقاوم السرطان. إلا أنه يمكن القول إن الأكثر أهمّية هو الشذوذات الجينومية التي تحدث في خلايا الورم على نطاق أوسع بكثير. فعلى سبيل المثال، قد تحتوي الخلية على أعداد شاذة من الكروموسومات الكاملة (وهي حالة تسمى «اختلال الصيغة الصبغية» م). وبينما يتطور الورم، قد تتباين الشذوذات الكروموسومية بين الخلايا السرطانية المتجاورة. ويشير هذا إلى أن التغيرات الكروموسومية قد تحدث من خلال «خلط» متكرر للكروموسومات خلال كل انقسام خلوي، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع معدل التغير الجينومي، الذي يُطلق عليه اسم «عدم الاستقرار الصبغي» .


في الماضي، كانت الصعوبات التقنية المتعلّقة بتحليل الخلايا المعزولة حديثًا من الأورام تعوق الباحثين عن تحديد ما إذا كان هناك عدم استقرار صبغي مُستمر في الأورام أم لا. وقد أشارت بولهاكيرو وآخرون إلى تلك البيانات في دورية «نيتشر جينتيكس» كاشفين عن حالة عدم استقرار صبغي مستمرة في خلايا سرطان القولون والمُستقيم لدى البشر.


ومن المعروف منذ أكثر من 20 عامًا أن الخلايا الموجودة في مُعظم أنواع سرطان القولون والمُستقيم تشهد تباينًا في أعداد الكروموسومات، وأن هذا يُعزى إلى حالة عدم الاستقرار الصبغي؛ إذ يتَّسم ما يقرب من 90% من الأورام الصلبة بدرجة ما من عدم الاستقرار الصبغي. ويٌعتقد أن هذا التغيير المُستمر في جينوم الخلايا السرطانية يُساعد على التكيّف السريع للخلايا مع تأثير العلاجات المضادة للسرطان. وغالبًا ما ترتبط المستويات المرتفعة من تغيّر الجينوم بسوء التنبؤ بالحالة التي سيصبح عليها المُصابون بالسرطان. لذا ثمة اهتمام كبير بمحاولة رسم صورة واضحةٍ لحالات عدم الاستقرار الصبغي، من خلال تحديد الآليات المسؤولة عنها، ومُعدّل حدوث هذه التغيّرات، وكيفية تطوّرها في الورم الواحد، على سبيل المثال.


لكن بالنظر إلى أن عدم الاستقرار الصبغي عملية ديناميكية، فليس من الممكن تقييمها على نحو وافٍ فقط من خلال «اللقطات» المنعزلة لجينوم الورم التي تكون متاحة عادة. فحتّى وقتنا هذا، كان عديد من ركائز الأبحاث المختبرية-التي تلقي الضوء على مُعدّلات التغّيرات وآليات حدوثها- قائمًا على تجارب تستخدم خلايا جرى إزالتها من الأورام وزراعتها في أطباق بلاستيكية، عادة على هيئة طبقة أحادية ثنائية الأبعاد، وغالبًا ما يُحتفظ بهذه الخلايا في مزرعة خلوية سنوات عديدة.


ومن غير الواضح إلى أي مدى تُعدّ تلك النظم النموذجية ثنائية الأبعاد ممثلة للأورام التي تنمو في بيئتها الأصلية. لذا ابتُكِرَت نُظم استنبات خلايا تُتيح نموًّا ثلاثي الأبعاد -مثل استخدام كتل من الخلايا تسمى «العضوانيات» - وسيلة لمحاكاة بيئات الأورام بصورة أكثر دقّة مما تتيحه الأنظمة ثنائية الأبعاد. وفي الواقع، عندما تُفقد بنية الأنسجة الطبيعية المحيطة بالخلايا غير السرطانية عن طريق استنبات الخلايا في طبقة أحادية ثنائية الأبعاد، فإن هذا قد يكون كافيًا لتعزيز الانقسام الخلوي المُعرّض للخطأ. غير أن الانقسامات الخلوية الشاذة لا تحدث إذا استنبتت الخلايا كعضوانيات.


ولدراسة عدم الاستقرار الصبغي في الخلايا الحيّة، عزلت بولهاكيرو وزملاؤها عيّنات من خلايا أورام سرطانية بشرية بالقولون والمستقيم، وزرعوا الخلايا مباشرة كعضوانيات. وعن طريق هندسّة الخلايا وراثيًا للتعبير عن بروتين فلوري مرتبط بالحمض النووي، تمكّن الباحثون من إجراء تصوير حي لتقييم السلوك الكروموسومي في أثناء الانقسام الخلوي (الشكل 1). كما قاموا بسلسلة الحمض النووي للخلايا المفردة بشكلٍ دوري لتتبّع التغيرات التي تطرأ على عدد الكروموسومات وبنيتها (أثر تسلسل الحمض النووي في الكروموسومات) بمرور الوقت.


يرتبط ظهور الشذوذات الكروموسومية في سرطان القولون والمستقيم بسوء التنبؤ بالحالة التي سيصبح عليها المصابون بالسرطان، وفهم كيفية حدوث مثل هذه التغيرات في الخلايا الحية قد يكشف عن أهداف لتطوير علاجات جديدة. وقد درست الباحثة بولهاكيرو وزملاؤها عينات من خلايا سرطان القولون والمستقيم البشرية التي جرى استنباتها في المختبر ككتلة ثلاثية الأبعاد من خلايا تسمى «العضوانيات» . وأدت هندسة الخلايا للتعبير عن البروتين الفلوري المرتبط بالحامض النووي إلى تمكين الباحثين من استخدام المجهر لتصوير المادة الوراثية (باللون الأخضر) في أثناء انقسام الخلايا السرطانية.


وقدم هذا رؤى جديدة بخصوص أخطاء الانقسام الخلوي التي حدثت، مثل انفصال أحد الكروموسومات عن بقية الكروموسومات في أثناء انقسام الخلية، ويُطلق عليه «الكروموسوم المتأخر» (في الشكل الصغير أعلاه). وكانت الشذوذات الكروموسومية الملاحظة الأكثر شيوعًا بنى تسمى «جسور الكروماتين»، وهي مناطق من الحمض النووي تتكون من كروموسومات اندمجت معًا. وأجرى الباحثون أيضًا تجارب عزلوا فيها خلية واحدة من العضوانية، واستخدموها في استنبات عضوانية أخرى. وعن طريق سلسلة دورية للحمض النووي للخلايا المفردة في هذه العضوانية النامية، يمكن تتبع التغيرات الكروموسومية، مثل حذف المناطق الكروموسومية أو تضاعفها مع مرور الوقت.


توصّل الباحثون إلى أن الخلايا السرطانية المنقسمة تعرّضت على نحو متكرّر لأخطاء في تقسيم الكروموسومات بين الخلايا الوليدة، وهو ما يُؤكّد النتائج التي جرى التوصّل إليها سابقًا باستخدام الأنظمة ثنائية الأبعاد. ولم يُلاحظ الباحثون مثل هذه الأخطاء في العضوانيات التي أُعِدّت من أنسجة القولون السليمة، مما يشير إلى أن النظام التجريبي نفسه لا يحفّز حدوث تلك الأخطاء. وكانت عيوب التقسيم هذه مؤشّرًا على أن ثمة حالة مستمرة من عدم الاستقرار الصبغي. وقد اختبر الباحثون ما إذا كانت هذه هي الحال بالفعل أم لا عن طريق دراسة العضوانيات المأخوذة من خلية سرطانية وحيدة خضعت للمراقبة في أثناء نمو العضوانية وتطورها . وأكد إجراء سلسلة الحمض النووي للخلايا المفردة في أوقات مختلفة في أثناء التجربة وجود عدم استقرار صبغي مستمر.


كان من الصعب سابقًا تقييم الآليات التي تخلق هذه الحالة من عدم الاستقرار في بيئة أصلية. ويُعد نموذج استنبات العضوانيات الذي ابتكرته بولهاكيرو وزملاؤها أقرب تمثيل ممكن لذلك في الوقت الحاليّ. وأشار الباحثون إلى أن أغلب أخطاء تقسيم الكروموسومات نشأت عن تكوّن جسور الكروماتين، والتي يتمدد فيها الكروموسوم -أو جزء منه- بين الكتلتين المنفصلتين من الحمض النووي الخلوي في المرحلة الأخيرة من مراحل الانقسام الخلوي. ومثل هذه الأخطاء تشير إلى تغيّرات هيكلية في أثناء تضاعف الكروموسومات الذي يحدث قبل الانقسام الخلوي، والتي لوحِظت في الطبقات الأحادية ثنائية الأبعاد لخلايا سرطان القولون والمستقيم.


وثمة كثير من الجدل بشأن سبب عدم الاستقرار الصبغي في السرطان؛ فقد تنشأ جسور الكروماتين نتيجة عيوب أخرى في عمليات انقسام الخلايا، ولعل مزيدًا من التحليلات المتعمّقة باستخدام نماذج استزراع العضوانيات لدراسة الطبيعة المُحددة لمثل هذه العيوب لانقسام الكروموسومات، وأي عمليات انقسام خلوي شاذة أخرى، تلقي بالضوء على هذا الأمر.


وثمة مجموعة فرعية من أنواع سرطانات القولون والمستقيم لدى البشر لا تتسم بالسمات المعتادة لعدم الاستقرار الصبغي، وعلى الرغم من أنها تتسم بمستوى مرتفع من طفرات النوكليوتيدات (ويطلق عليها «عدم استقرار الساتل الميكروي» أو «الاستعداد لحدوث الطفرة» ، فإنها تحتوي على أعداد كروموسومات طبيعية أو تكاد تكون طبيعية، مع وجود اختلاف كروموسومي ضئيل بين الخلايا. وتوصَّلت بولهاكيرو وزملاؤها إلى اكتشاف مدهش مفاده أن بعض العضوانيات من هذا النوع الفرعي لسرطان القولون والمستقيم لديها أيضًا مُعدّلات ملحوظة من الأخطاء الكروموسومية التي تحدث في أثناء الانقسام الخلوي.


وكشفت سلسلة الحمض النووي للخلايا المفردة التي حصلت عليها بولهاكيرو وزملاؤها من عيّنات سريرية من أنسجة الأورام أن عدم الاستقرار الصبغي قد يحدث جنبًا إلى جنب مع عدم استقرار الساتل الميكروي في الورم نفسه. والأرجح أن انخفاض مستوى عدم الاستقرار الصبغي في هذه الأورام هو السبب وراء إعاقة اكتشافه بطرق سلسلة الحمض النووي السابقة التي لم تستخدم منهج سلسلة الحمض النووي للخلايا المفردة.


كما لاحظت بولهاكيرو وزملاؤها أيضًا أنه لكل عضوانية مفردة، كان هناك ارتباط ضعيف بين عدد المرّات التي أخطأت فيها الخلايا في التقسيم الكروموسومي في أثناء الانقسام الخلوي ومستوى التباين في أعداد الكروموسومات بين الخلايا في العضوانية. وسيبدو هذا التناقض منطقيًا إذا كانت هناك اختلافات في كيفية استجابة بعض العضوانيات لأخطاء تقسيم الكروموسومات. وكشف التصوير الحي للخلايا أن العضوانيات ذات التباين العالي في عدد الكروموسومات كانت أكثر قدرة على تحمل الأخطاء في أثناء انقسام الخلايا مقارنةً بالعضوانيات التي كانت ذات تباين منخفض في عدد الكروموسومات. وإذا حدثت مثل هذه الأخطاء في العضوانيات ذات التباين المنخفض في عدد الكروموسومات، عادة ما كان انقسام الخلايا يتوقف أو تموت الخلايا.


تشير هذه النتائج إلى أن التباين في عدد الكروموسومات في خلايا الورم نتاج معدلات تطوّر عدم الاستقرار الصبغي، وقدرة خلايا أحد أنواع الأورام على تحمّل التغيرات الإضافية في عدد الكروموسومات أو بنيتها. ولا تزال العوامل التي تتحكم فيما إذا كان الورم سيتحمّل اختلال الصيغة الصبغية أم لا غير معروفة إلى حد بعيد. والأرجح أن تحقيق فهم أفضل لهذا الأمر سوف يكشف عن أهداف محتملة لتطوير علاجات جديدة.


ومع انتشار استخدام أنظمة نموذج العضوانيات، ستساعد التجارب التي يمكنها المقارنة مباشرة بين النتائج التي يجري التوصل إليها من خلال المستنبتات ثلاثية الأبعاد وثنائية الأبعاد على ضمان اختيار نظم الزراعة المناسبة للسؤال البحثي موضع الدراسة والمنهج التجريبي المستخدم. وهذا من شأنه أن يتيح مزيدًا من المقارنات المباشرة بين نتائج المجموعات البحثية المُختلقة. وفيما يتعلّق بدراسة بولهاكيرو وزملائها، فسيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان معدّل عدم الاستقرار واختلال الصيغة الصبغية سيختلفان لو جرى استخدام أنظمة استنبات ثنائية الأبعاد.


وسيكون من المفيد أيضًا معرفة مدى تمثيل الأبحاث السابقة التي أجريت بالأنظمة أحادية الطبقة ثنائية الأبعاد للعمليات التي تجري داخل الخلايا الحية، وأيّ الاسئلة التي قد تحتاج إلى إعادة النظر فيها باستخدام العضوانيات. فعلى سبيل المثال، على الرغم من أن بنية النسيج الطبيعي ثلاثية الأبعاد قد تكون ضرورية للغاية لمنع عدم الاستقرار الصبغي في أثناء الانقسام الخلوي في الخلايا غير السرطانية، فمن المُحتمل أنه إذا فقدت خلايا السرطان بالفعل آليات السيطرة الطبيعية التي تقاوم العمليات المعيوبة في الانقسام الخلوي، فإن هذه الخلايا ستظهر معدلات وآليات مماثلة لعدم الاستقرار الصبغي، بغضّ النظر عمّا إذا كانت الخلايا مستنبتة في أنظمة ثنائية أو ثلاثية الأبعاد. وإذا كان الأمر كذلك، فستكون الحاجة لدراسات العضوانيات فقط من أجل تأكيد نتائج مزارع الأنظمة ثنائية الأبعاد بدلًا من اعتبارها أمرًا ضروريًا.


وختامًا، يظهر اختلال الصيغة الصبغية بوصفه حدثًا مبكرًا يؤدّي إلى تطوّر الورم، ولكن المعلومات المتعلّقة بتكرار عدم الاستقرار الصبغي وأنواعه خلال المراحل الأولى لتطوّر الورم محدودة للغاية. وإذا أمكن استخدام العضوانيات لفحص حالات عدم الاستقرار الصبغي خلال تلك المراحل الأولى، أو من أجل دراسة الخلايا الشاذة (التي تُسمّى «آفات سَلَفية» التي قد تكون في سبيلها إلى تكوين السرطان، فسينتج عن هذا -بلا أدنى شك- عديد من الأفكار الجديدة الرائعة.

4 عرض

© 2023 by The Artifact. Proudly created with Wix.com

This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now